الحقيقة١ لعذرتَ الخليقةَ، إذ هم صائرون إلى مشيئة الله فيهم وما قضَاه وقدَّره عليهم ولا بدّ، فهم مَجارٍ لأقداره، وسهامُها نافذةٌ فيهم، وهم أغراضٌ لسهام الأقدار لا تخطئهم البتّة. ولكن من غلَب عليه مشاهدةُ الحكم الشّرعيِّ لم يمكنه طلبُ العذر لهم، ومن غلَب عليه مشاهدةُ الحكم الكونيِّ عذَرهم. فأنت معذورٌ في الإنكار علينا بحقيقة الشّرع، ونحن معذورون في طلب العذر بحقيقة الحكم، وكلانا مصيبٌ.
فالجواب من وجوهٍ:
أحدها: أن يقال: العذر إن لم يكن مقبولًا لم يكن نافعًا. والاعتذارُ بالقدَر غير مقبولٍ، ولا يُعذَر به أحدٌ، ولو اعتذر فهو كلامٌ باطلٌ لا يفيد شيئًا البتّة، بل يزيد في ذنب الجاني، وغضبِ الرَّبِّ عليه. وما هذا شأنُه لا يشتغل به عاقلٌ.
الثّاني: أنَّ الاعتذارَ بالقدَر يتضمَّن تنزيهَ الجاني نفسَه وتبرئة ساحتِه ــ وهو الظّالم الجاهل ــ والحملَ على القدر، ونسبةَ الذّنب إليه، وتظليمَه بلسان الحال والقال، بتحسين العبارة وتلطيفها. وربّمَا غلبه الحالُ، فصرَّح بالوجد، كما قال بعض خُصَماء الله تعالى:
ألقاه في اليمِّ مكتوفًا وقال لهإيّاك إيّاك أن تبتلَّ بالماء٢
(١) ج، م، ش: "لسان"، وكذا كان في ق، ل ثم زيدت الباء.
(٢) أنشده المؤلف في "طريق الهجرتين" (١/ ١٧٩)، و"شفاء العليل" (ص ٤) أيضًا. وهو للحلاج في "ديوانه" (ص ٢٦) وقبله: ما يفعل العبد والأقدارُ جاريةٌ ... عليه في كلِّ حالٍ أيُّها الرَّائي
وقال خصمٌ آخر١:
وضَعوا اللَّحْمَ للبُزاةِ على ذروتَي عَدَنْ
ثمَّ لاموا البزاةَ إذخلعوا عنهم الرَّسَنْ
لو أرادوا صيانتيستَروا وجهَك الحَسَنْ٢
وقال خصمٌ آخر:
أصبحتُ منفعلًا لما تختارهمنِّي ففعلي كلُّه طاعاتُ٣
وقال خصمٌ آخر شاكيًا متظلِّمًا:
إذا كان المحبُّ قليلَ حظٍّفما حسناتُه إلّا ذنوبُ٤
وقال آخَرُ معتذرًا عن إبليس:
إبليسُ لمّا عصى مَن كان إبليسَهْ؟٥
(١) بإزائه تحت البيتِ السابق في ل بيت آخر بخط ناسخها: من غَصَّ داوَى بشُرب الماء غُصَّته ... فما التَّداوي لمن قد غَصَّ بالماءِ وهو لأبي بكر بن داود كما في "شعب الإيمان" (١٧٥٤) والبيت دون عزو في "العقد" (٣/ ١٠٤)، و"الأمثال الصادرة عن بيوت الشعر" (ص ٣٣٧)، و"التمثيل والمحاضرة" (ص ٢٥٧).
(٢) الأبيات ذكرها المصنف في "طريق الهجرتين" (١/ ١٨٠) أيضًا. وهي للشِّبلي في "تاريخ مدينة السلام" (١٣/ ٥٧٥ - ٥٧٦) ومنه في "تلبيس إبليس" (ص ٣١٨).
(٣) تقدَّم البيت في ذكر المعاطب على درب الفناء (ص ٢٥٠).
(٤) سيأتي مرة أخرى. والبيت من قصيدة أنشدها صاحب "الدُّرّ الفريد" (٢/ ١٤، ٢٥) للبحراني. وهو من أربعة أبيات في "فوات الوفيات" (٤/ ١٧٢) لأبي نصر الخباز النِّيري الواسطي (ت ٤٥٠). وهي في "تاريخ إربل" (١/ ٣٨٢) دون عزو.