مدارج السالكين

لخصماء الله١ هاهنا تظلُّماتٌ وشكاياتٌ، ولو فتَّشوا زوايا قلوبهم لوجدوا هناك خصمًا متظلِّمًا شاكيًا عاتبًا يقول: لا أقدر أن أقول شيئًا، وإنِّي مظلومٌ في صورة ظالمٍ! ويقول بحُرقةٍ وتنفُّس٢ الصُّعَداء: مسكينٌ ابنُ آدم، لا قادرٌ ولا معذورٌ!

ويقول الآخر: ابنُ آدم كرةٌ تحت صَوْلَجَانات الأقدار٣، يضربها واحدٌ، ويردُّها الآخر، وهل تستطيع الكرةُ الانتصافَ من الصَّوْلَجان٤!

ويتمثّل خصمٌ آخر بقول الشّاعر:

بأبي أنت وإن أَسْــرَفتَ في هَجْري وظلمي٥

فجعله هاجرًا له بلا ذنبٍ ظالمًا، بل مسرفًا قد تجاوز الحدَّ في ظلمه.

ويقول الآخر:

أظلَّتْ علينا منك يومًا سحابةٌأضاءت لنا برقًا وأبطا رِشاشُها

فلا غيمُها يجلو فييئسَ طالبٌ٦... ولا غيثُها يأتي فيَرْوَى عطاشُها٧

  1. (١) ج: "فلخصماء الله"، وزاد بعضهم الفاء في ل. وفي ش، ع: "ولخصماء الله".
  2. (٢) ق، ل: "وبنفس".
  3. (٣) الصَّولجان: عصًا يُعطَف طرفُها، فارسي معرَّب.
  4. (٤) ما عدا ع: "الصولجانات".
  5. (٥) لم أجده.
  6. (٦) ج: "طامع"، وهي الرواية.
  7. (٧) البيتان لبشَّار بن برد يخاطب خالد بن برمك في "الأغاني" (٣/ ١٧٨). وانظر: "المختار من شعر بشار" (ص ٦٦)، و"ديوانه" (ص ١٤٥ - العلوي). وهما من سبعة أبيات لعبد الصمد بن الفضل الرَّقاشي يخاطب خالد بن ديسَم عامل الرَّي في "البصائر والذخائر" (٨/ ١٩٥)، وانظر: "عيون الأخبار" (٣/ ١٤٥)، و"العقد" (١/ ٢٤٦). والسياق في "اللمع" للسرَّاج (ص ٢٥١)، و"الحلية" (١٠/ ٣٧٤) يوهم أن البيتين للشِّبلي، ولكن الصواب أنه تمثَّل بهما. انظر: "ديوانه" المجموع (ص ١٤٢).
295

ويقول خصمٌ آخر:

يدنو إليك ونقصُ الحظِّ يُبْعِدُهويستقيمُ وداعي البين يَلويه١

ويقول خصمٌ آخر:

واقفٌ في الماء ظمآنُ ولكنْ ليس يُسْقى٢

ومن له أدنى فهمٍ وبصيرةٍ يعلم أنَّ هذا كلَّه تظلُّمٌ وشكايةٌ وعتبٌ. ويكاد أحدهم أن يقول: "يا ظالمي" لولا٣! ولو فتَّش نفسَه كما ينبغي لوجد ذلك فيها، وهذا ما لا غاية بعده من الجهل والظُّلم. والإنسانُ ــ كما قال ربُّه٤ ــ ظلوم جهول، ﴿هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ١٥﴾ [فاطر: ١٥].

ولو علِم هذا الظّالم الجاهل أنَّ بلاءَه من نفسه ومُصابَه منها، وأنّها أولى بكلِّ ذمٍّ وظلمٍ، وأنّها مأوى كلِّ سوءٍ! و﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ﴾ [العاديات: ٦].

  1. (١) لم أعثر عليه.
  2. (٢) ورد في "تاريخ دمشق" (٤٠/ ٣١) في ترجمة أبي القاسم بن مَرْدان النهاوندي صاحب أبي سعيد الخرَّاز (ت ٢٨٦ هـ). وانظر: "الإحياء" (٢/ ٢٩٠)، و"المدهش" (١/ ٣١٣).
  3. (٣) يعني: لولا بقية حياء أو خوف أو نحو ذلك، كما ذكر الشيخ عامر بن علي ياسين في تعليقه في نشرته (١/ ٢٦٣).
  4. (٤) يعني قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢].
296

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي