ومن له أدنى فهمٍ وبصيرةٍ يعلم أنَّ هذا كلَّه تظلُّمٌ وشكايةٌ وعتبٌ. ويكاد أحدهم أن يقول: "يا ظالمي" لولا٣! ولو فتَّش نفسَه كما ينبغي لوجد ذلك فيها، وهذا ما لا غاية بعده من الجهل والظُّلم. والإنسانُ ــ كما قال ربُّه٤ ــ ظلوم جهول، ﴿هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ١٥﴾[فاطر: ١٥].
ولو علِم هذا الظّالم الجاهل أنَّ بلاءَه من نفسه ومُصابَه منها، وأنّها أولى بكلِّ ذمٍّ وظلمٍ، وأنّها مأوى كلِّ سوءٍ! و﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ﴾[العاديات: ٦].
(١) لم أعثر عليه.
(٢) ورد في "تاريخ دمشق" (٤٠/ ٣١) في ترجمة أبي القاسم بن مَرْدان النهاوندي صاحب أبي سعيد الخرَّاز (ت ٢٨٦ هـ). وانظر: "الإحياء" (٢/ ٢٩٠)، و"المدهش" (١/ ٣١٣).
(٣) يعني: لولا بقية حياء أو خوف أو نحو ذلك، كما ذكر الشيخ عامر بن علي ياسين في تعليقه في نشرته (١/ ٢٦٣).
(٤) يعني قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾[الأحزاب: ٧٢].
قال ابن عبّاسٍ ومجاهد وقتادة: كَفورٌ جَحودٌ لنعم الله. قال الحسن ﵁: هو الذي يعُدُّ المصائب وينسى النِّعم. وقال أبو عبيدة ﵁١: هو قليل الخير، والأرض الكنود التي لا تُنبت شيئًا. وقال الفضيل بن عياض ﵀: الكنود: الذي أنسته الخصلةُ الواحدةُ من الإساءة الخصالَ الكثيرةَ من الإحسان٢.
ولو علم هذا الظّالم الجاهل٣ أنّه هو القاعد على طريق مصالحه يقطعها عن الوصول إليه، فهو حجرٌ في طريق الماء الذي به حياته، وهو السِّكْرُ٤ الذي قد سدَّ مجرى الماء إلى بستان قلبه، ويستغيث مع ذلك: العطش، وقد وقَف في طريق الماء ومنعَ وصولَه إليه! فهو حجابُ قلبه عن سرِّ غيبه، وهو الغيمُ المانعُ لإشراق شمس الهدى على القلب، فما عليه أضرُّ منه، ولا له عدوٌّ أبلغُ عداوةً منه.
ما يبلغ الأعداءُ من جاهلٍما يبلغ الجاهلُ من نفسِه٥
فتبًّا له ظالمًا في صورة مظلومٍ، وشاكيًا والجناية منه! قد جَدَّ في
(١) ورد الترضِّي في جميع النسخ ما عدا ش.
(٢) راجع لهذه الأقوال كلها: "تفسير البغوي" (٨/ ٥٠٩) وعنه صدر المؤلف.
(٣) ج: "الجاهل الظالم".
(٤) "السِّكْرُ": كلُّ ما سُدَّ به النَّهر والبَثْق ومجرى الماء.
(٥) من أبيات لصالح بن عبد القدوس في "العقد" (٢/ ٤٣٦)، و"التمثيل والمحاضرة" (ص ٧٧ - ٧٨)، و"الحماسة البصرية" (٢/ ٨٧٤). وانظر تخريج البيت فيه. وقد أنشده المصنف في "الداء والدواء" (ص ١٥٩)، و"طريق الهجرتين" (١/ ١٣٥) وغيرهما.