مدارج السالكين

قال ابن عبّاسٍ ومجاهد وقتادة: كَفورٌ جَحودٌ لنعم الله. قال الحسن ﵁: هو الذي يعُدُّ المصائب وينسى النِّعم. وقال أبو عبيدة ﵁١: هو قليل الخير، والأرض الكنود التي لا تُنبت شيئًا. وقال الفضيل بن عياض ﵀: الكنود: الذي أنسته الخصلةُ الواحدةُ من الإساءة الخصالَ الكثيرةَ من الإحسان٢.

ولو علم هذا الظّالم الجاهل٣ أنّه هو القاعد على طريق مصالحه يقطعها عن الوصول إليه، فهو حجرٌ في طريق الماء الذي به حياته، وهو السِّكْرُ٤ الذي قد سدَّ مجرى الماء إلى بستان قلبه، ويستغيث مع ذلك: العطش، وقد وقَف في طريق الماء ومنعَ وصولَه إليه! فهو حجابُ قلبه عن سرِّ غيبه، وهو الغيمُ المانعُ لإشراق شمس الهدى على القلب، فما عليه أضرُّ منه، ولا له عدوٌّ أبلغُ عداوةً منه.

ما يبلغ الأعداءُ من جاهلٍما يبلغ الجاهلُ من نفسِه٥

فتبًّا له ظالمًا في صورة مظلومٍ، وشاكيًا والجناية منه! قد جَدَّ في

  1. (١) ورد الترضِّي في جميع النسخ ما عدا ش.
  2. (٢) راجع لهذه الأقوال كلها: "تفسير البغوي" (٨/ ٥٠٩) وعنه صدر المؤلف.
  3. (٣) ج: "الجاهل الظالم".
  4. (٤) "السِّكْرُ": كلُّ ما سُدَّ به النَّهر والبَثْق ومجرى الماء.
  5. (٥) من أبيات لصالح بن عبد القدوس في "العقد" (٢/ ٤٣٦)، و"التمثيل والمحاضرة" (ص ٧٧ - ٧٨)، و"الحماسة البصرية" (٢/ ٨٧٤). وانظر تخريج البيت فيه. وقد أنشده المصنف في "الداء والدواء" (ص ١٥٩)، و"طريق الهجرتين" (١/ ١٣٥) وغيرهما.
297

الإعراض، وهو ينادي: طرَدوني وأبعَدوني! ولّى ظهره الباب، بل أغلقه على نفسه، وأضاع مفاتيحه، وكَسَرها، ويقول:

دعاني وسدَّ البابَ دوني فهل إلىدخولي سبيلٌ بيِّنوا ليَ قصَّتي١

يأخذ الشَّفيقُ بحُجْزتِه عن النّار، وهو يجاذبه ثوبَه ويغلبُه ويتقَحَّمُها٢، ويستغيث: ما حيلتي؟ وقد قدَّموني إلى الحُفرة وقذفوني فيها!

  1. (١) ما عدا ق، ل، ع: "قضيَّتي" وكذا في "أعيان العصر" (٣/ ٢٩٢) وغيره. والبيت أنشده المؤلف في "طريق الهجرتين" (١/ ١٨٠) أيضًا. وهو من قصيدة ذكر ابن حجر في "الدُّرر" (١/ ١٥٦) أن محمد بن أبي بكر السكاكيني (ت ٧٢١) عملها على لسان ذمي في إنكار القدر، أولها:
    أيا علماءَ الدين ذِمّيُّ دينكم ... تحيَّر دُلُّوه بأوضحِ حُجَّةِ
    فانبرى للرَّدِّ عليها نظمًا كبارُ علماء مصر والشام، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية ("مجموع الفتاوى" ٨/ ٢٤٥ - ٢٥٥)، والعلاء الباجي والعلاء القونوي وغيرهم. انظر قصائدهم في "طبقات الشافعية" (١٠/ ٣٥٢ - ٣٦٦). وقد وردت هنا في ل حاشية نصُّها: "وقال بعض اليهود في نظم له:
    دعاني وردَّ البابَ ما حيلة الفتى ... إذا ما دُعي العبدُ المسيءُ مع الرَّدِّ
    وكلُّ هذا مردودٌ على أصحابه المحتجِّين به على الحقِّ ــ تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا ــ أن يكلِّف العبد ما لا يطيقه، فيكون جائرًا عليه، ظالمًا له، جاهلًا فيه. وهذا محالٌ على الحق تعالى. وقد قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٩]. وقد أرسل الرسل وأنزل الكتب لقطع الحجج: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ".
  2. (٢) ج، ش، ع: "يقتحمها" وكذا غُيِّر في م. وفي هامش ل: "قال ﵇: "إنكم لتَقَحَّمون في النار وإني لآخِذٌ بحجزكم". يعني أن المصنف يشير إلى الحديث المذكور الذي أخرجه البخاري (٦٤٨٣)، ومسلم (٢٢٨٤) عن أبي هريرة ﵁.
298

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي