يأخذ الشَّفيقُ بحُجْزتِه عن النّار، وهو يجاذبه ثوبَه ويغلبُه ويتقَحَّمُها٢، ويستغيث: ما حيلتي؟ وقد قدَّموني إلى الحُفرة وقذفوني فيها!
(١) ما عدا ق، ل، ع: "قضيَّتي" وكذا في "أعيان العصر" (٣/ ٢٩٢) وغيره. والبيت أنشده المؤلف في "طريق الهجرتين" (١/ ١٨٠) أيضًا. وهو من قصيدة ذكر ابن حجر في "الدُّرر" (١/ ١٥٦) أن محمد بن أبي بكر السكاكيني (ت ٧٢١) عملها على لسان ذمي في إنكار القدر، أولها: أيا علماءَ الدين ذِمّيُّ دينكم ... تحيَّر دُلُّوه بأوضحِ حُجَّةِ فانبرى للرَّدِّ عليها نظمًا كبارُ علماء مصر والشام، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية ("مجموع الفتاوى" ٨/ ٢٤٥ - ٢٥٥)، والعلاء الباجي والعلاء القونوي وغيرهم. انظر قصائدهم في "طبقات الشافعية" (١٠/ ٣٥٢ - ٣٦٦). وقد وردت هنا في ل حاشية نصُّها: "وقال بعض اليهود في نظم له: دعاني وردَّ البابَ ما حيلة الفتى ... إذا ما دُعي العبدُ المسيءُ مع الرَّدِّ وكلُّ هذا مردودٌ على أصحابه المحتجِّين به على الحقِّ ــ تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا ــ أن يكلِّف العبد ما لا يطيقه، فيكون جائرًا عليه، ظالمًا له، جاهلًا فيه. وهذا محالٌ على الحق تعالى. وقد قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾[المزمل: ١٩]. وقد أرسل الرسل وأنزل الكتب لقطع الحجج: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾[الإسراء: ١٥] ".
(٢) ج، ش، ع: "يقتحمها" وكذا غُيِّر في م. وفي هامش ل: "قال ﵇: "إنكم لتَقَحَّمون في النار وإني لآخِذٌ بحجزكم". يعني أن المصنف يشير إلى الحديث المذكور الذي أخرجه البخاري (٦٤٨٣)، ومسلم (٢٢٨٤) عن أبي هريرة ﵁.
كم١ صاحَ به النّاصحُ: الحذر الحذر، إيّاك إيّاك! وكم أمسَك بثوبه! وكم أراه مصارعَ المقتحمين، وهو يأبى إلّا الاقتحام!
وكم سُقْتُ في آثاركم من نصيحةٍوقد يستفيدُ البِغْضَةَ المتنصِّحُ٢
يا ويله ظهيرًا للشّيطان على ربِّه، خصمًا لله مع نفسه! جبريُّ المعاصي، قدريُّ الطّاعات، "عاجزُ الرّأي مضياعٌ لفرصته"٣، قاعدٌ عن مصالحه، معاتبٌ لأقدار ربِّه، يحتجُّ٤ على ربِّه بما لا يقبله من عبده وامرأته وأمته إذا احتجُّوا به عليه في التّهاون في بعض أمره. فلو أمَر أحدَهم بأمرٍ ففرَّط فيه، أو نهاه عن شيءٍ فارتكبه، وقال: القدرُ ساقني إلى ذلك= لَما قبِلَ منه هذه الحجّةَ، ولبادرَ إلى عقوبته.
فإن كان القدرُ حجّةً لك أيُّها الظّالم الجاهل٥ في ترك حقِّ ربِّك، فهلّا
(١) قبله في ع: "ولله". وفي سائر النسخ "رفقة"، ولكن ضرب عليه في ل ووضعت فوقه علامة الحذف في ق.
(٢) كذا "البغضة" في الأصل وغيره، والرواية: "الظِّنَّة" أي التهمة. والبيت في "الكامل" للمبرِّد (٣/ ١٥٠٢) عن الرِّياشي، وفي "جمهرة الأمثال" للعسكري (٢/ ١٦١) من إنشاد عمارة بن عقيل. وعزي في "مجموعة المعاني" (١/ ٨٠)، و"التذكرة الحمدونية" (٧/ ١٠١) إلى الأقرع بن معاذ.
(٣) من قول الشاعر: وعاجزُ الرأي مضياعٌ لفرصته ... حتى إذا فات أمرٌ عاتب القدرا كما ذكر في هامش ش كاملًا، وفي هامش م العجز فقط. وقد تقدم في (ص ١٢٣).