كم١ صاحَ به النّاصحُ: الحذر الحذر، إيّاك إيّاك! وكم أمسَك بثوبه! وكم أراه مصارعَ المقتحمين، وهو يأبى إلّا الاقتحام!
وكم سُقْتُ في آثاركم من نصيحةٍوقد يستفيدُ البِغْضَةَ المتنصِّحُ٢
يا ويله ظهيرًا للشّيطان على ربِّه، خصمًا لله مع نفسه! جبريُّ المعاصي، قدريُّ الطّاعات، "عاجزُ الرّأي مضياعٌ لفرصته"٣، قاعدٌ عن مصالحه، معاتبٌ لأقدار ربِّه، يحتجُّ٤ على ربِّه بما لا يقبله من عبده وامرأته وأمته إذا احتجُّوا به عليه في التّهاون في بعض أمره. فلو أمَر أحدَهم بأمرٍ ففرَّط فيه، أو نهاه عن شيءٍ فارتكبه، وقال: القدرُ ساقني إلى ذلك= لَما قبِلَ منه هذه الحجّةَ، ولبادرَ إلى عقوبته.
فإن كان القدرُ حجّةً لك أيُّها الظّالم الجاهل٥ في ترك حقِّ ربِّك، فهلّا
(١) قبله في ع: "ولله". وفي سائر النسخ "رفقة"، ولكن ضرب عليه في ل ووضعت فوقه علامة الحذف في ق.
(٢) كذا "البغضة" في الأصل وغيره، والرواية: "الظِّنَّة" أي التهمة. والبيت في "الكامل" للمبرِّد (٣/ ١٥٠٢) عن الرِّياشي، وفي "جمهرة الأمثال" للعسكري (٢/ ١٦١) من إنشاد عمارة بن عقيل. وعزي في "مجموعة المعاني" (١/ ٨٠)، و"التذكرة الحمدونية" (٧/ ١٠١) إلى الأقرع بن معاذ.
(٣) من قول الشاعر: وعاجزُ الرأي مضياعٌ لفرصته ... حتى إذا فات أمرٌ عاتب القدرا كما ذكر في هامش ش كاملًا، وفي هامش م العجز فقط. وقد تقدم في (ص ١٢٣).
(٤) يحتمل رسمه في ق: "محتج".
(٥) لفظ "الجاهل" ساقط من ش.
كان حجّةً لعبدك وأمتك في ترك بعض حقِّك! بل إذا أساء١ إليك مسيءٌ، وجنى عليك جانٍ، واحتجَّ بالقدر= لاشتدَّ غضبُك عليه، وتضاعف جرمُه عندك، ورأيتَ حجّتَه داحضةً؛ ثمّ تحتجُّ على ربِّك به، وتراه عذرًا لنفسك! فمَن أولى بالظُّلم والجهل ممَّن هذه حاله؟
هذا مع تواتر إحسان الله إليك على مدى الأنفاس: أزاح عللَك، ومكَّنك من التَّزوُّد إلى جنَّته، وبعث إليك الدَّليل، وأعطاك مؤنة السّفر وما تتزوَّد به وما تحارب به قطَّاعَ الطَّريق عليك. فأعطاك السَّمع والبصر والفؤاد، وعرَّفك الخيرَ والشَّرَّ والنَّافعَ والضَّارَّ، وأرسل إليك رسولَه، وأنزل٢ كتابَه ويسَّره للذِّكر والفهم والعمل، وأعانك بمددٍ من جنده الكرام، يثبِّتونك ويحرُسونك، ويحاربون عدوَّك ويطردونه عنك، ويريدون منك أن لا تميل إليه ولا تصالحه، وهم يكفُونك مؤنتَه؛ وأنت تأبى إلّا مظاهرتَه عليهم، وموالاتَه دونهم، بل تُظاهِرُه وتُواليه دون وليِّك الحقِّ الذي هو أولى بك. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾[الكهف: ٥٠].
طرَد إبليسَ عن سمائه، وأخرجَه من جنّته، وأبعدَه من قربه، إذ لم يسجد لك، وأنت في صلب أبيك آدم، لكرامتك عليه، فعاداه وأبعَدَه؛ ثمَّ واليتَ عدوَّه، ومِلْتَ إليه، وصالحته! وتتظلَّم مع ذلك، وتشتكي الطَّردَ والبعادَ!٣.