مدارج السالكين

كان حجّةً لعبدك وأمتك في ترك بعض حقِّك! بل إذا أساء١ إليك مسيءٌ، وجنى عليك جانٍ، واحتجَّ بالقدر= لاشتدَّ غضبُك عليه، وتضاعف جرمُه عندك، ورأيتَ حجّتَه داحضةً؛ ثمّ تحتجُّ على ربِّك به، وتراه عذرًا لنفسك! فمَن أولى بالظُّلم والجهل ممَّن هذه حاله؟

هذا مع تواتر إحسان الله إليك على مدى الأنفاس: أزاح عللَك، ومكَّنك من التَّزوُّد إلى جنَّته، وبعث إليك الدَّليل، وأعطاك مؤنة السّفر وما تتزوَّد به وما تحارب به قطَّاعَ الطَّريق عليك. فأعطاك السَّمع والبصر والفؤاد، وعرَّفك الخيرَ والشَّرَّ والنَّافعَ والضَّارَّ، وأرسل إليك رسولَه، وأنزل٢ كتابَه ويسَّره للذِّكر والفهم والعمل، وأعانك بمددٍ من جنده الكرام، يثبِّتونك ويحرُسونك، ويحاربون عدوَّك ويطردونه عنك، ويريدون منك أن لا تميل إليه ولا تصالحه، وهم يكفُونك مؤنتَه؛ وأنت تأبى إلّا مظاهرتَه عليهم، وموالاتَه دونهم، بل تُظاهِرُه وتُواليه دون وليِّك الحقِّ الذي هو أولى بك. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠].

طرَد إبليسَ عن سمائه، وأخرجَه من جنّته، وأبعدَه من قربه، إذ لم يسجد لك، وأنت في صلب أبيك آدم، لكرامتك عليه، فعاداه وأبعَدَه؛ ثمَّ واليتَ عدوَّه، ومِلْتَ إليه، وصالحته! وتتظلَّم مع ذلك، وتشتكي الطَّردَ والبعادَ!٣.

  1. (١) ج: "لو أساء" وهو مقتضى الجواب الآتي المقترن باللام: "لاشتدَّ".
  2. (٢) بعده في ع زيادة: "إليك".
  3. (٣) في ع بعده زيادة:
    وتقول:
    عوَّدوني الوصالَ والوصلُ عذبُ ... ورمَوني بالصَّدِّ والصَّدُّ صعبُ
    والبيت من ثلاثة أبيات للشِّبلي في "حلية الأولياء" (١٠/ ٣٦٧)، و"تاريخ دمشق" (٦٦/ ٦٦)، و"وفيات الأعيان" (٢/ ٢٧٣). وانظر: "ديوانه" المجموع (ص ٨٥).
300

نعم، كيف لا يطرُد مَن هذه معاملتُه! وكيف لا يُبْعِد عنه مَن هذا وصفُه! وكيف يجعل مِن خاصَّتِه وأهلِ قربه مَن حالُه معه هكذا١.

أمره بشكره، لا لحاجته إليه، ولكن لينال به المزيدَ من فضله، فجعل كُفْرَ نعَمِه والاستعانةَ بها على مساخطه من أكبر أسباب صَرْفِها عنه!

وأمرَه بذكره ليذكره بإحسانه، فجعَلَ نسيانَه سببًا لنسيان الله له٢، ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧].

أمَره بسؤاله ليعطيه، فلم يسأله! بل أعطاه أجلَّ العطاء بلا سؤالٍ، فلم يقبل!

يشكو مَن يرحمه إلى مَن لا يرحمه، ويتظلَّم ممَّن٣ لا يظلمه، ويدَعُ من يعاديه ويظلمه!

إن أنعَم عليه بالصِّحّة والعافية والمال والجاه استعان بنعمه على معاصيه، وإن سلَبه ذلك ظلَّ متسخِّطًا على ربِّه وهو شاكيه!

لا يصلح له٤ على عافيةٍ، ولا على ابتلاءٍ: العافيةُ تلقيه إلى مساخطه،

  1. (١) بعده في ع زيادة: "قد أفسد ما بينه وبين الله وكدَّره".
  2. (٢) وردت في ع هنا هذه الآية أيضًا: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩].
  3. (٣) ق، م، ش: "من"، وكذا كان في ل، ج ثم أصلح.
  4. (٤) "له" مضروب عليه في ق، ل.
301

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي