مدارج السالكين

نعم، كيف لا يطرُد مَن هذه معاملتُه! وكيف لا يُبْعِد عنه مَن هذا وصفُه! وكيف يجعل مِن خاصَّتِه وأهلِ قربه مَن حالُه معه هكذا١.

أمره بشكره، لا لحاجته إليه، ولكن لينال به المزيدَ من فضله، فجعل كُفْرَ نعَمِه والاستعانةَ بها على مساخطه من أكبر أسباب صَرْفِها عنه!

وأمرَه بذكره ليذكره بإحسانه، فجعَلَ نسيانَه سببًا لنسيان الله له٢، ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧].

أمَره بسؤاله ليعطيه، فلم يسأله! بل أعطاه أجلَّ العطاء بلا سؤالٍ، فلم يقبل!

يشكو مَن يرحمه إلى مَن لا يرحمه، ويتظلَّم ممَّن٣ لا يظلمه، ويدَعُ من يعاديه ويظلمه!

إن أنعَم عليه بالصِّحّة والعافية والمال والجاه استعان بنعمه على معاصيه، وإن سلَبه ذلك ظلَّ متسخِّطًا على ربِّه وهو شاكيه!

لا يصلح له٤ على عافيةٍ، ولا على ابتلاءٍ: العافيةُ تلقيه إلى مساخطه،

  1. (١) بعده في ع زيادة: "قد أفسد ما بينه وبين الله وكدَّره".
  2. (٢) وردت في ع هنا هذه الآية أيضًا: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩].
  3. (٣) ق، م، ش: "من"، وكذا كان في ل، ج ثم أصلح.
  4. (٤) "له" مضروب عليه في ق، ل.
301

والبلاءُ يدفعه إلى كفرانه وجحود نعمته وشكايته إلى خلقه!

دعاه إلى بابه، فما وقَف عليه ولا طرَقه! ثمّ فتَحه له فما عرَّج عليه ولا وَلَجه!

أرسل إليه رسولَه يدعوه إلى دار كرامته، فعصى الرَّسولَ، وقال: لا أبيع ناجزًا بغائبٍ، ونقدًا بنسيئةٍ، ولا أترك ما أراه لشيءٍ سمعتُ به!١

فإن وافق حظُّه طاعةَ الرّسول أطاعه لنيل حظِّه، لا لرضى مُرْسِله!

لم يزل يتمقَّت إليه بمعاصيه، حتّى أعرض عنه وأغلق البابَ في وجهه. ومع هذا فلم يُؤيِسْه من رحمته، بل قال: متى جئتَني قبلتُك، إن أتيتَني ليلًا قبلتُك، وإن أتيتَني نهارًا قبلتُك. و"إن تقرَّبتَ منِّي شبرًا تقرَّبتُ منك ذراعًا، وإن تقرَّبتَ منِّي ذراعًا تقرَّبتُ منك باعًا، وإن مشيتَ إليَّ هرولتُ إليك"٢. "ولو لقيتَني بقُرابِ الأرض خطايا، ثمّ لقيتَني لا تشرك بي شيئًا٣، أتيتُك بقُرابها مغفرةً. ولو بلغت ذنوبُك عَنانَ السَّماءِ، ثمَّ استغفرتَني غفرتُ لك"٤.

  1. (١) في ع هنا زيادة: "ويقول:
    خذ ما رأيتَ ودع شيئًا سمعتَ به ... في طلعةِ الشَّمس ما يُغنيك عن زُحَلِ
    وفي هامشها بإزاء هذا البيت: "زائد على الأصل". والبيت للمتنبي في "ديوانه" (ص ٣٣٠).
  2. (٢) من حديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري (٧٤٠٥) ومسلم (٢٦٧٥).
  3. (٣) "شيئًا" من ج، ش، ع.
  4. (٤) أخرجه الترمذي (٣٥٤٠) وغيره من حديث أنس بن مالك، وفيه سعيد بن عُبيد، فيه لين. وله شاهد من حديث أبي ذر، أخرجه أحمد (٢١٤٧٢) من طريق شهر بن حوشب عن معدي كرب عن أبي ذر به، وشهر فيه لين. وقد أخرج مسلم (٢٦٨٧) بعضَه من طريق آخر عن أبي ذر مرفوعًا، ولفظه: " ... ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئًا لقيته بمثلها مغفرة".
302

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي