والبلاءُ يدفعه إلى كفرانه وجحود نعمته وشكايته إلى خلقه!
دعاه إلى بابه، فما وقَف عليه ولا طرَقه! ثمّ فتَحه له فما عرَّج عليه ولا وَلَجه!
أرسل إليه رسولَه يدعوه إلى دار كرامته، فعصى الرَّسولَ، وقال: لا أبيع ناجزًا بغائبٍ، ونقدًا بنسيئةٍ، ولا أترك ما أراه لشيءٍ سمعتُ به!١
فإن وافق حظُّه طاعةَ الرّسول أطاعه لنيل حظِّه، لا لرضى مُرْسِله!
لم يزل يتمقَّت إليه بمعاصيه، حتّى أعرض عنه وأغلق البابَ في وجهه. ومع هذا فلم يُؤيِسْه من رحمته، بل قال: متى جئتَني قبلتُك، إن أتيتَني ليلًا قبلتُك، وإن أتيتَني نهارًا قبلتُك. و"إن تقرَّبتَ منِّي شبرًا تقرَّبتُ منك ذراعًا، وإن تقرَّبتَ منِّي ذراعًا تقرَّبتُ منك باعًا، وإن مشيتَ إليَّ هرولتُ إليك"٢. "ولو لقيتَني بقُرابِ الأرض خطايا، ثمّ لقيتَني لا تشرك بي شيئًا٣، أتيتُك بقُرابها مغفرةً. ولو بلغت ذنوبُك عَنانَ السَّماءِ، ثمَّ استغفرتَني غفرتُ لك"٤.
(١) في ع هنا زيادة: "ويقول: خذ ما رأيتَ ودع شيئًا سمعتَ به ... في طلعةِ الشَّمس ما يُغنيك عن زُحَلِ وفي هامشها بإزاء هذا البيت: "زائد على الأصل". والبيت للمتنبي في "ديوانه" (ص ٣٣٠).
(٢) من حديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري (٧٤٠٥) ومسلم (٢٦٧٥).
(٣) "شيئًا" من ج، ش، ع.
(٤) أخرجه الترمذي (٣٥٤٠) وغيره من حديث أنس بن مالك، وفيه سعيد بن عُبيد، فيه لين. وله شاهد من حديث أبي ذر، أخرجه أحمد (٢١٤٧٢) من طريق شهر بن حوشب عن معدي كرب عن أبي ذر به، وشهر فيه لين. وقد أخرج مسلم (٢٦٨٧) بعضَه من طريق آخر عن أبي ذر مرفوعًا، ولفظه: " ... ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئًا لقيته بمثلها مغفرة".
ومَن أعظم منِّي جودًا وكرمًا؟ عبادي يبارزوني١ بالعظائم، وأنا أكلؤهم على فُرُشهم٢!
خيري إلى العباد نازلٌ، وشرُّهم إليَّ صاعدٌ! أتحبَّب إليهم بنعمي وأنا الغنيُّ عنهم، ويتبغَّضون إليَّ بالمعاصي وهم أفقر شيءٍ إليَّ٤!
من أقبل إليَّ تلقَّيتُه من بعيدٍ، ومن تركَ لأجلي أعطيتُه فوق المزيد، ومن أراد رضاي أردتُ ما يريد، ومن تصرَّف بحَولي ألنتُ له الحديد.
(١) كذا في الأصل وغيره بحذف نون الرفع تخفيفًا.
(٢) في "طريق الهجرتين" (٢/ ٦٨٦): "وفي بعض الآثار: يقول تعالى: ... " ثم نقل نحوه. وانظر نحوه في "الحلية" (٨/ ٩٢ - ٩٣) عن الفضيل بن عياض.
(٣) أخرجه الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" (٩٨٣ - دار النوادر) والطبراني في "مسند الشاميين" (٩٧٤، ٩٧٥) والبيهقي في "شعب الإيمان" (٤٢٤٣) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٧/ ٧٧) وعبد الغني المقدسي في "التوحيد" (٨٩) من حديث أبي الدرداء مرفوعًا. وإسناده منقطع بين عبد الرحمن بن جبير وشُريح بن عبيد وبين أبي الدرداء ﵁، فلم يدركاه. وانظر: "الضعيفة" (٢٣٧١).
(٤) أخرجه بنحوه الدينوري في "المجالسة وجواهر العلم" (١٨١) وأبو نعيم في "الحلية" (٤/ ٢٧) عن وهب قال: قرأت في بعض الكتب ... وأخرجه بنحوه ابن أبي الدنيا في "الشكر" (٤٤) عن شيخه أبي علي المدائني قال: كنت أسمع جارًا لي يقول في الليل ...، وهو من طريقه في "شعب الإيمان" (٤٢٧٠).