فانظر إلى نظره إلى القدَر عند حقِّه، وقيامِه بالأمر وقطعِ يد المرأة عند حقِّ الله١، ولم يقل هناك: القدَرُ حكم عليها.
وكذلك عزمُه على تحريق المتخلِّفين عن الصّلاة معه في الجماعة٢، ولم يقل: لو قُضِي لهم الصَّلاةُ لكانت٣.
وكان رسولُ الله ﷺ أعرفَ بالله وبحقِّه٤ من أن يحتجَّ بالقدر على ترك أمره، أو يقبل الاحتجاجَ به من أحدٍ، ومع هذا فعذَر أنسًا بالقدر في حقِّه، وقال: "لو قضي شيءٌ لكان"، فصلواتُ الله وسلامهُ عليه.
(١) يشير إلى قصة المرأة المخزومية التي سرقت. أخرجها البخاري (٣٤٧٥) ومسلم (١٦٨٨) من حديث عائشة ﵂.
(٢) انظر حديث أبي هريرة ﵁ في "صحيح البخاري" (٦٤٤) و"صحيح مسلم" (٦٥١).
(٣) في ع بعده زيادة: "وكذلك رجمُه المرأةَ والرَّجلَ لمّا زنيا، ولم يحتجَّ في ذلك لهما بالقدر. وكذلك فعلُه في العُرَنيِّين الذين قتلوا راعيه، واستاقوا الذَّودَ، وكفروا بعد إسلامهم. ولم يقُل: قُدِّرَ عليهم، بل أمرَ بهم فقُطِّعت أيديهم وأرجلُهم من خلافٍ، وسُمِرت أعينُهم، وتُرِكوا في الحَرَّةِ يستسقُون فلا يُسْقَون، حتّى ماتوا عطشًا. إلى غير ذلك ممّا يطول بسطه". ولكن كتب فيها فوق: "ولم يقل: لو قضي": "زائد على الأصل" يعني: بداية الزيادة من هنا. وكتب فوق "بسطه": "إلى".
(٤) ق، ش: "وحقه".
فهذا المعنى الثّاني وإن كان حقًّا لكن ليس من شرائط التّوبة ولا أركانها، ولا له تعلُّقٌ بها؛ فإنّه لو لم يُقِمْ أعذارَهم في إساءتهم إليه لما نقَصَ ذلك شيئًا من توبته. فما أراد إلّا المعنى الأوّل، وقد عرفتَ ما فيه.
ولا ريب أنّ صاحب "المنازل" إنّما أراد أن يعذِرَهم بالقدر، ويقيمَ عليهم حكمَ الأمر: فينظرَ بعين القدَر ويعذِرَهم بها، وينظرَ بعين الأمر ويحملَهم عليها ويأخذهم بموجَبها؛ فلا يحجبه مطالعةُ الأمر عن القدَر، ولا ملاحظةُ القدَر عن الأمر.
فهذا وإن كان حقًّا لا بدَّ منه، فلا وجهَ لعذرهم. وليس عذرُهم من التَّوبة في شيءٍ البتّةَ. ولو كان صحيحًا ــ فضلًا عن كونه باطلًا ــ فلا هم معذورون، ولا طلبُ عذرهم من حقائق التّوبة. بل التَّحقيقُ أنَّ الغيرةَ لله والغضبَ له من حقائق التّوبة. فتعطيلُ عذر الخليقة في مخالفة الأمر والنّهي وشدّة الغضب: هو من علامة تعظيم الحرمة، وذلك بأن يكون من حقائق التّوبة أولى من عذر مخالفة الأمر والنّهي. ولا سيّما يدخلُ في هذا عذرُ عُبَّادِ الصُّلبان١ والأوثان وقَتَلةِ الأنبياء، وفرعونَ وهامانَ، ونمرودَ بن كنعان، وأبي جهلٍ٢ وأصحابه، وإبليسَ وجنودِه، وكلِّ كافرٍ وظالمٍ ومتعدٍّ حدودَ الله ومنتهكٍ محارمَ الله؛ فإنَّهم كلَّهم تحت القدر، وهم من الخليقة، أفيكون عذرُ هؤلاء من حقيقة التّوبة!
فهذا ممّا أوجبه السَّيرُ على طريق الفناء في توحيد الرُّبوبيّة، وجعلِه الغايةَ
(١) ع: "الأصنام".
(٢) ج، م، ش، ع: "وأبو جهل"، وكذا كان في ق، ل ثم أصلح.