ثمّ أيُّ موافقةٍ للمحبوب في عذر من لا يعذِرُه هو! بل قد اشتدَّ غضبُه عليه، وأبعَدَه عن قربه، وطرَدَه عن بابه، ومقَتَه أشدَّ المقت! فإذا عذرتَه، فهل يكون عذرُه إلّا تعرُّضًا لسخطِ المحبوب وسقوطٍ١ من عينه!
ولا توجِب هذه الزَّلَّةُ٢ من شيخ الإسلام إهدارَ محاسنه وإساءةَ الظَّنِّ به، فمحلُّه من العلم والإمامة٣ والمعرفة والتفقُّه في طريق السُّلوكِ: المحلُّ الذي لا يُجهَل. وكلُّ أحدٍ فمأخوذٌ من قوله ومتروكٌ إلّا المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، صلواتُ الله وسلامه عليه. والكاملُ مَن عُدَّ خطؤه، ولا سيَّما في مثل هذا المجال الضَّنْك والمعترَك الصَّعب، الذي زلَّت فيه أقدامٌ، وضلَّت فيه أفهامٌ، وافترقت بالسّالكين فيه الطُّرقاتُ، وأشرفوا ــ إلّا أقلَّهم ــ على أودية الهَلَكات.
وكيف لا؟ وهو البحر الذي تجري سفينةُ راكبه به في موجٍ كالجبال، والمعتركُ الذي تضاءلت لشهوده شجاعةُ الأبطال، وتحيَّرت فيه عقولُ ألِبَّاءِ الرِّجال! وصلت الخليقةُ إلى ساحله يبغُون ركوبَه:
فمنهم مَن وقف مطرقًا دَهِشًا، لا يستطيع أن يملأ منه عينَه، ولا ينقل عن موقفه قدمَه. قد امتلأ قلبُه بعظمة ما شاهد منه، فقال: الوقوف على السّاحل أسلَمُ، وليس بلبيبٍ مَن خاطر بنفسه!
(١) ق، ل، ج: "وسقوطه".
(٢) م، ش، ع: "الزلقة"، وكتبها بعضهم في هامش ق أيضًا.
(٣) ما عدا ع: "والإنابة".
ومنهم مَن رجع على عقبيه لمّا سمع أصواتَ١ أمواجه، ولم يُطِقْ نظرًا إليه.
ومنهم مَن رمى بنفسه في لُجَجه، تخفضه موجةٌ، وترفعه أخرى.
فهؤلاء الثّلاثةُ على خطرٍ، إذ الواقفُ٢ على السّاحل عرضةٌ لوصول الماء تحت قدميه. والهاربُ ــ ولو جدَّ في الهرب ــ فما له مصيرٌ إلّا إليه. والمخاطرُ ناظرٌ إلى الغرَق كلَّ ساعةٍ بعينيه.
وما نجا من الخلق إلّا الصِّنفُ الرّابعُ، وهم الذين انتظروا موافاةَ سفينةِ الأمر، فلمّا قربت منهم ناداهم الرُّبَّانُ: ﴿ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مُجْراهَا وَمُرْسَاهَا﴾٣[هود: ٤١]. فهي سفينةُ نوح حقًّا وسفينةُ مَن بعده من الرُّسل، من ركبها نجا، ومن تخلَّف عنها غرق. فركبوا سفينةَ الأمرِ بالقدر، تجري٤ بهم في تصاريف أمواجه على حكم التَّسليم لمن بيده التّصرُّفُ في البحار، فلم تكن إلّا غفوة حتّى قيل لأرض الدُّنيا وسمائها: ﴿يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ واستوت على جُوديِّ٥ دارِ القرار.
والمتخلِّفون عن السّفينة كقوم نوحٍ، أُغْرِقُوا، ثمّ أُحْرِقُوا، ونودي عليهم على رؤوس العالمين: ﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾[هود: ٤٤]٦، ﴿وَمَا
(١) ع: "سمع هديرَه وصوت".
(٢) ما عدا ع: "الوقوف".
(٣) قراءة حفص وحمزة والكسائي: ﴿مَجْرَاهَا﴾، والمثبت قراءة أبي عمرو.
(٤) ما عدا ع: "بالقدر يجري" بالياء في ش وبالتاء في ج.
(٥) ما عدا ع: "الجودي" كما في الآية، ولكن ضرب على لام التعريف في ق، م.