وراكبُ هذا البحر في سفينة الأمر، وظيفتُه مصادمةُ أمواج القدر ومعارضتُها بعضِها ببعضٍ، وإلّا هلَكَ، فيرُدُّ القدَرَ بالقدَرِ. وهذا سَيْرُ أربابِ العزائم من العارفين، وهو معنى قول الشّيخ العارف القدوة عبد القادر الكيلانيِّ: النّاس إذا وصلوا إلى القضاء والقدر أمسكوا، إلّا أنا فانفتحَتْ لي فيه رَوْزَنَةٌ١، فنازعتُ أقدارَ الحقِّ بالحقِّ للحقِّ. والرّجلُ مَن يكون منازعًا للقدر، لا من يكون مستسلمًا مع القدر٢.
ولا تتمُّ مصالحُ العباد في معاشهم إلّا بدفع الأقدار بعضِها ببعضٍ، فكيف في معادهم؟ والله تعالى أمرَ أن تُدفَع السّيِّئةُ ــ وهي من قدَره ــ بالحسنة، وهي من قدره. وكذلك الجوعُ هو من قدرِه، وأمرَ بدفعه بالأكل الذي هو من قدَرِه. ولو استسلم العبدُ لقدَرِ الجوع، مع قدرته على دفعه بقدَر الأكل، حتّى مات= مات عاصيًا. وكذلك البردُ والحرُّ والعطشُ كلُّها من قدَرِه، وأمرَ بدفعها بأقدارٍ تضادُّها، والدّافعُ والمدفوعُ والدَّفعُ من قدَرِه.
(١) الرَّوزَنَة: الكوَّة النافذة، فارسي معرَّب.
(٢) عزاه إلى الشيخ عبد القادر شيخُ الإسلام في رسالة "العبودية" (ص ٥٤) بقوله: "فيما ذُكِر عنه"، ونقله في غير موضع من كتبه. وفي "مجموع الفتاوى" (٨/ ٥٤٧ - ٥٥٠) فصل في تفسير هذا القول. وقد أورده المؤلف في "طريق الهجرتين" (١/ ٧٥) أيضًا.
وقد أفصح النبيُّ ﷺ عن هذا المعنى كلَّ الإفصاح، إذ قالوا له: يا رسول الله، أرأيتَ أدويةً نتداوى بها، ورُقًى نسترقي بها، وتُقًى نتّقي بها، هل ترُدُّ من قدَر الله شيئًا؟ قال: "هي من قدر الله"١.
وفي الحديث الآخر: "إنّ الدُّعاء والبلاء ليعتلجان بين السَّماء والأرض"٢.
وإذا طرَق العدوُّ الكفّارُ بلدَ الإسلام طرَقُوه بقدَر الله، أفيَحِلُّ للمسلمين الاستسلامُ للقدَر، وتركُ دفعه بقدَرٍ مثله، وهو الجهاد الذي يدفعون به قدرَ الله بقدَره!
(١) أخرجه أحمد (١٥٤٧٢ - ١٥٤٧٤) والترمذي (٢٠٦٥، ٢١٤٨) وابن ماجه (٣٤٣٧) وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٢٦١١) والبيهقي في "السنن" (٩/ ٣٤٩) وفي "القضاء والقدر" (٢٢٤) وفي "شعب الإيمان" (١١٥٧) وغيرهم من طريق أبي خزامة عن أبيه مرفوعًا. وفي بعض الطرق: ابن أبي خزامة، وهو خطأ، والأول هو الصواب كما قرره الترمذي وأحمد في "العلل" برواية ابنه عبد الله (١٠١) وأبو حاتم وأبو زرعة في "علل ابن أبي حاتم" (٢٥٣٧) والدارقطني في "علله" (٢٥٠). وفي إسناده لين، فإن أبا خزيمة هذا مجهول، وليس له إلا هذا الحديث عن أبيه. ينظر: تعليق محققي "مسند أحمد" (١٥٤٧٢).
(٢) أخرجه البزار في "مسنده" (١٤/ ٤٠٠) من حديث أبي هريرة، وفي إسناده إبراهيم بن خُثَيم بن عِرَاك بن مالك، متروك منكر الحديث. وله شاهد لا يفرح به من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂، أخرجه البزار (٢١٦٥ - كشف الأستار) والطبراني في "الأوسط" (٢٤٩٨) والحاكم (١/ ٤٩٢) والبيهقي في "القضاء والقدر" (٢٤٦)، وفي إسناده زكريا بن منظور، نظير إبراهيم بن خثيم في الضعف. والحديث ضعَّفه ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (١٤١١) وابن الملقن في "البدر المنير" (٩/ ١٧٣) والحافظ في "التلخيص" (٦/ ٢٩٥٢) والألباني في "الضعيفة" (٦٧٦٤).