مدارج السالكين

وقد أفصح النبيُّ ﷺ عن هذا المعنى كلَّ الإفصاح، إذ قالوا له: يا رسول الله، أرأيتَ أدويةً نتداوى بها، ورُقًى نسترقي بها، وتُقًى نتّقي بها، هل ترُدُّ من قدَر الله شيئًا؟ قال: "هي من قدر الله"١.

وفي الحديث الآخر: "إنّ الدُّعاء والبلاء ليعتلجان بين السَّماء والأرض"٢.

وإذا طرَق العدوُّ الكفّارُ بلدَ الإسلام طرَقُوه بقدَر الله، أفيَحِلُّ للمسلمين الاستسلامُ للقدَر، وتركُ دفعه بقدَرٍ مثله، وهو الجهاد الذي يدفعون به قدرَ الله بقدَره!

  1. (١) أخرجه أحمد (١٥٤٧٢ - ١٥٤٧٤) والترمذي (٢٠٦٥، ٢١٤٨) وابن ماجه (٣٤٣٧) وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٢٦١١) والبيهقي في "السنن" (٩/ ٣٤٩) وفي "القضاء والقدر" (٢٢٤) وفي "شعب الإيمان" (١١٥٧) وغيرهم من طريق أبي خزامة عن أبيه مرفوعًا. وفي بعض الطرق: ابن أبي خزامة، وهو خطأ، والأول هو الصواب كما قرره الترمذي وأحمد في "العلل" برواية ابنه عبد الله (١٠١) وأبو حاتم وأبو زرعة في "علل ابن أبي حاتم" (٢٥٣٧) والدارقطني في "علله" (٢٥٠). وفي إسناده لين، فإن أبا خزيمة هذا مجهول، وليس له إلا هذا الحديث عن أبيه. ينظر: تعليق محققي "مسند أحمد" (١٥٤٧٢).
  2. (٢) أخرجه البزار في "مسنده" (١٤/ ٤٠٠) من حديث أبي هريرة، وفي إسناده إبراهيم بن خُثَيم بن عِرَاك بن مالك، متروك منكر الحديث. وله شاهد لا يفرح به من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂، أخرجه البزار (٢١٦٥ - كشف الأستار) والطبراني في "الأوسط" (٢٤٩٨) والحاكم (١/ ٤٩٢) والبيهقي في "القضاء والقدر" (٢٤٦)، وفي إسناده زكريا بن منظور، نظير إبراهيم بن خثيم في الضعف. والحديث ضعَّفه ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (١٤١١) وابن الملقن في "البدر المنير" (٩/ ١٧٣) والحافظ في "التلخيص" (٦/ ٢٩٥٢) والألباني في "الضعيفة" (٦٧٦٤).
312

وكذلك المعصيةُ إذا قدِّرت عليك، وفعلتَها بالقدَر، فادفَعْ موجَبَها بالتَّوبة النَّصوح، وهي من القدَر.

فصل

ودفعُ القدر بالقدر نوعان:

أحدهما: دفعُ القدَر الذي قد انعقدت أسبابُه ولمّا يقَعْ بأسبابٍ أخرى من القدر مقابِلةٍ١، فيمتنع وقوعه، كدفع العدوِّ بقتاله، ودفع البرد والحرِّ ونحوه.

والثّاني: دفعُ القدَر الذي قد وقع واستقرَّ بقدَرٍ آخر يرفعه ويزيله، كدفع قدَر المرض بقدَر التّداوي، ودفعِ قدَرِ الذَّنبِ بقدَرِ التّوبة، ودفعِ قدَرِ الإساءةِ بقدَر الإحسان.

فهذا شأن العارفين وشأن الأقدار، لا الاستسلامُ لها وتركُ الحركة والحيلة، فإنّه عجزٌ، والله تعالى يلوم على العجز. فإذا غُلِبَ وضاقت به الحيل، ولم يبق له مجالٌ، فهنالك الاستسلامُ للقدر، والانطراحُ كالميِّت بين يدي الغاسل يقلِّبه كيف شاء، وهنا ينفع الفناءُ في القدَر علمًا وحالًا وشهودًا. وأمّا في حال القدرة وحصول الأسباب، فالفناء النّافع: أن يفنى عن الخلق بحكم الله، وعن هواه بأمر الله، وعن إرادته ومحبّته بمحبة الله تعالى٢، وعن حوله وقوّته بحول الله وقوّته وإعانته. فهذا الذي قام بحقيقة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ علمًا وحالًا. والله المستعان.

  1. (١) ع: "تقابله"، وفي سائر النسخ بالميم ومضبوط بكسر آخره في م.
  2. (٢) ع: "بإرادة الله ومحبته".
313

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي