مدارج السالكين

وكذلك المعصيةُ إذا قدِّرت عليك، وفعلتَها بالقدَر، فادفَعْ موجَبَها بالتَّوبة النَّصوح، وهي من القدَر.

فصل

ودفعُ القدر بالقدر نوعان:

أحدهما: دفعُ القدَر الذي قد انعقدت أسبابُه ولمّا يقَعْ بأسبابٍ أخرى من القدر مقابِلةٍ١، فيمتنع وقوعه، كدفع العدوِّ بقتاله، ودفع البرد والحرِّ ونحوه.

والثّاني: دفعُ القدَر الذي قد وقع واستقرَّ بقدَرٍ آخر يرفعه ويزيله، كدفع قدَر المرض بقدَر التّداوي، ودفعِ قدَرِ الذَّنبِ بقدَرِ التّوبة، ودفعِ قدَرِ الإساءةِ بقدَر الإحسان.

فهذا شأن العارفين وشأن الأقدار، لا الاستسلامُ لها وتركُ الحركة والحيلة، فإنّه عجزٌ، والله تعالى يلوم على العجز. فإذا غُلِبَ وضاقت به الحيل، ولم يبق له مجالٌ، فهنالك الاستسلامُ للقدر، والانطراحُ كالميِّت بين يدي الغاسل يقلِّبه كيف شاء، وهنا ينفع الفناءُ في القدَر علمًا وحالًا وشهودًا. وأمّا في حال القدرة وحصول الأسباب، فالفناء النّافع: أن يفنى عن الخلق بحكم الله، وعن هواه بأمر الله، وعن إرادته ومحبّته بمحبة الله تعالى٢، وعن حوله وقوّته بحول الله وقوّته وإعانته. فهذا الذي قام بحقيقة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ علمًا وحالًا. والله المستعان.

  1. (١) ع: "تقابله"، وفي سائر النسخ بالميم ومضبوط بكسر آخره في م.
  2. (٢) ع: "بإرادة الله ومحبته".
313

فصل

قال صاحب "المنازل" ﵀١: (وسرائرُ حقيقة التّوبة٢ ثلاثةُ أشياء: تمييزُ التَّقِيَّة من العزَّة، ونسيانُ الجناية، والتَّوبةُ من التَّوبة٣، لأنّ التّائب داخلٌ في "الجميع" من قوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]، فأمَر التّائبَ بالتَّوبة).

يريد بتمييز التَّقيّة٤ من العزَّة: أن يكون المقصودُ من التّوبة تقوى الله، وهو خوفه وخشيته، والقيامُ بأمره واجتنابُ نهيه. فيعملُ بطاعة الله على نورٍ من الله يرجو ثوابَ الله، ويتركُ معصيةَ الله على نورٍ من الله تعالى يخافُ عقابَ الله٥. لا يريد بذلك عزَّ الطّاعة، فإنَّ للطَّاعة وللتَّوبة٦ عزًّا ظاهرًا وباطنًا، فلا يكون مقصودُه العزَّة، وإن علِمَ أنّها تحصل له بالطّاعة والتّوبة. فمن تاب لأجل العزّة٧ فتوبتُه مدخولةٌ.

وفي بعض الآثار: "أوحى الله إلى نبيٍّ من الأنبياء: قل لفلانٍ الزّاهد: أمّا

  1. (١) "منازل السائرين" (ص ١٠).
  2. (٢) يعني: بواطن حقيقة التوبة. وهي غير الظواهر المذكورة من قبل. انظر: "شرح التلمساني" (١/ ٦٤). وبإزاء هذا السطر في هامش الأصل (ق): "بلغ مقابلة وقراءة على مصنفه".
  3. (٣) بعدها في "المنازل": "أبدًا".
  4. (٤) ع: "تمييزُ التقية" بإسقاط "يريد".
  5. (٥) مقتبس من تعريف طلق بن حبيب للتقوى، وسيأتي (٢/ ١٠٢).
  6. (٦) ش: "والتوبة".
  7. (٧) ش: "عزَّة".
314

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي