مدارج السالكين

فصل

قال صاحب "المنازل" ﵀١: (وسرائرُ حقيقة التّوبة٢ ثلاثةُ أشياء: تمييزُ التَّقِيَّة من العزَّة، ونسيانُ الجناية، والتَّوبةُ من التَّوبة٣، لأنّ التّائب داخلٌ في "الجميع" من قوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]، فأمَر التّائبَ بالتَّوبة).

يريد بتمييز التَّقيّة٤ من العزَّة: أن يكون المقصودُ من التّوبة تقوى الله، وهو خوفه وخشيته، والقيامُ بأمره واجتنابُ نهيه. فيعملُ بطاعة الله على نورٍ من الله يرجو ثوابَ الله، ويتركُ معصيةَ الله على نورٍ من الله تعالى يخافُ عقابَ الله٥. لا يريد بذلك عزَّ الطّاعة، فإنَّ للطَّاعة وللتَّوبة٦ عزًّا ظاهرًا وباطنًا، فلا يكون مقصودُه العزَّة، وإن علِمَ أنّها تحصل له بالطّاعة والتّوبة. فمن تاب لأجل العزّة٧ فتوبتُه مدخولةٌ.

وفي بعض الآثار: "أوحى الله إلى نبيٍّ من الأنبياء: قل لفلانٍ الزّاهد: أمّا

  1. (١) "منازل السائرين" (ص ١٠).
  2. (٢) يعني: بواطن حقيقة التوبة. وهي غير الظواهر المذكورة من قبل. انظر: "شرح التلمساني" (١/ ٦٤). وبإزاء هذا السطر في هامش الأصل (ق): "بلغ مقابلة وقراءة على مصنفه".
  3. (٣) بعدها في "المنازل": "أبدًا".
  4. (٤) ع: "تمييزُ التقية" بإسقاط "يريد".
  5. (٥) مقتبس من تعريف طلق بن حبيب للتقوى، وسيأتي (٢/ ١٠٢).
  6. (٦) ش: "والتوبة".
  7. (٧) ش: "عزَّة".
314

زهدُك في الدُّنيا فتعجَّلتَ١ به الرَّاحةَ. وأمّا انقطاعُك إليَّ فقد اكتسبتَ به العزَّ، ولكن ما عملتَ فيما لي عليك؟ قال: يا ربِّ، وما لك عليَّ بعد هذا؟ قال: هل واليتَ فيَّ وليًّا، أو عاديتَ فيَّ عدوًّا؟ "٢.

يعني أنَّ الرّاحةَ والعزَّ حظُّك، وقد نلتَهما بالزُّهد والعبادة، ولكن أين القيامُ بحقِّي، وهو الموالاة فيَّ والمعاداة فيّ٣؟

فالشّأنُ في التَّفريق في الأوامر بين حظِّك وحقِّ ربِّك علمًا وحالًا. وكثيرٌ من الصّادقين يلتبس عليهم حالُ نفوسهم في ذلك، ولا يميِّزه إلّا أولو البصائر٤ منهم، وهم في الصَّادقين كالصَّادقين في النّاس!

وأمّا نسيان الجناية، فهذا موضعُ تفصيلٍ، وقد اختلف فيه أرباب الطّريق:

فمنهم: من رأى الاشتغالَ عن ذكر الذَّنب والإعراضَ عنه صفحًا بصفاءِ

  1. (١) هكذا في ج و"حلية الأولياء" و"التمهيد". وفي ع: "فقد تعجلت". وفي سائر النسخ: "تعجلت".
  2. (٢) ذكره المؤلف في "أعلام الموقعين" (٢/ ٥١١) أيضًا. وقد أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (١٠/ ٣١٦)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (٤/ ٣٣٢)، وابن عبد البر في "التمهيد" (١٧/ ٤٣٢، ٤٣٤) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ مرفوعًا، وفي إسناده حميد الأعرج وهو ضعيف، وابن أبي الورد وهو مجهول. وانظر: "الضعيفة" (٣٣٣٧). وأخرجه الدينوري في "المجالسة وجواهر العلم" (٩٦٢، ٣٠٤٤) عن الفضيل بن عياض وعبد الله بن المبارك.
  3. (٣) "فيَّ" من ع.
  4. (٤) ج: "أهل البصائر".
315

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي