مدارج السالكين

زهدُك في الدُّنيا فتعجَّلتَ١ به الرَّاحةَ. وأمّا انقطاعُك إليَّ فقد اكتسبتَ به العزَّ، ولكن ما عملتَ فيما لي عليك؟ قال: يا ربِّ، وما لك عليَّ بعد هذا؟ قال: هل واليتَ فيَّ وليًّا، أو عاديتَ فيَّ عدوًّا؟ "٢.

يعني أنَّ الرّاحةَ والعزَّ حظُّك، وقد نلتَهما بالزُّهد والعبادة، ولكن أين القيامُ بحقِّي، وهو الموالاة فيَّ والمعاداة فيّ٣؟

فالشّأنُ في التَّفريق في الأوامر بين حظِّك وحقِّ ربِّك علمًا وحالًا. وكثيرٌ من الصّادقين يلتبس عليهم حالُ نفوسهم في ذلك، ولا يميِّزه إلّا أولو البصائر٤ منهم، وهم في الصَّادقين كالصَّادقين في النّاس!

وأمّا نسيان الجناية، فهذا موضعُ تفصيلٍ، وقد اختلف فيه أرباب الطّريق:

فمنهم: من رأى الاشتغالَ عن ذكر الذَّنب والإعراضَ عنه صفحًا بصفاءِ

  1. (١) هكذا في ج و"حلية الأولياء" و"التمهيد". وفي ع: "فقد تعجلت". وفي سائر النسخ: "تعجلت".
  2. (٢) ذكره المؤلف في "أعلام الموقعين" (٢/ ٥١١) أيضًا. وقد أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (١٠/ ٣١٦)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (٤/ ٣٣٢)، وابن عبد البر في "التمهيد" (١٧/ ٤٣٢، ٤٣٤) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ مرفوعًا، وفي إسناده حميد الأعرج وهو ضعيف، وابن أبي الورد وهو مجهول. وانظر: "الضعيفة" (٣٣٣٧). وأخرجه الدينوري في "المجالسة وجواهر العلم" (٩٦٢، ٣٠٤٤) عن الفضيل بن عياض وعبد الله بن المبارك.
  3. (٣) "فيَّ" من ع.
  4. (٤) ج: "أهل البصائر".
315

الوقت مع الله تعالى أولى بالتّائب وأنفعَ له. ولهذا قيل: ذكرُ الجفاء في وقتِ الصَّفاء جفاءٌ١.

ومنهم من رأى أنّ الأَولى٢ أن لا ينسى ذنبه، بل لا يزال نُصْبَ عينيه، يلاحظُه كلَّ وقتٍ، فيُحدِث له ذلك انكسارًا وذلًّا وخضوعًا أنفَعَ له من جمعيّته وصفاء وقته.

قالوا: ولهذا كان٣ نقش داود الخطيئةَ في كفِّه، وكان ينظر إليها ويبكي٤.

قالوا: ومتى تِهْتَ عن الطَّريق، فارجع إلى ذنبك تجدِ الطَّريق٥.

ومعنى ذلك: أنّك إذا رجعتَ إلى ذنبك انكسرتَ وذللتَ، وأطرقتَ بين يدي الله خاشعًا ذليلًا خائفًا٦، وهذه طريق العبوديّة.

والصّوابُ: التّفصيلُ في هذه المسألة، وهو أن يقال: إذا أحسَّ من نفسه

  1. (١) من كلام الجنيد في قصة له مع السَّري السَّقَطي. انظر: "حلية الأولياء" (١٠/ ٢٧٤)، و"الرسالة القشيرية" (ص ٣٠١)، والمصنف صادر عن "شرح التلمساني" (١/ ٦٥). ونسيان الذنب هو مذهب الجنيد. وانظر أيضًا: "اللُّمع" للسرّاج (ص ٤٣).
  2. (٢) بعده في ج: "بالتائب".
  3. (٣) لم يرد "كان" في ع.
  4. (٤) أخرجه ابن المبارك في "الزهد" (٤٨٩)، وابن أبي الدنيا في "الرقة والبكاء" (٣٣٨) و"العقوبات" (٢٠٨)، وابن جرير في "التفسير" (٢٠/ ٦٩)، والحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" (٨٣٨) وغيرهم عن عطاء الخراساني.
  5. (٥) لم أقف عليه.
  6. (٦) ش: "خاضعًا".
316

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي