الوقت مع الله تعالى أولى بالتّائب وأنفعَ له. ولهذا قيل: ذكرُ الجفاء في وقتِ الصَّفاء جفاءٌ١.
ومنهم من رأى أنّ الأَولى٢ أن لا ينسى ذنبه، بل لا يزال نُصْبَ عينيه، يلاحظُه كلَّ وقتٍ، فيُحدِث له ذلك انكسارًا وذلًّا وخضوعًا أنفَعَ له من جمعيّته وصفاء وقته.
قالوا: ولهذا كان٣ نقش داود الخطيئةَ في كفِّه، وكان ينظر إليها ويبكي٤.
قالوا: ومتى تِهْتَ عن الطَّريق، فارجع إلى ذنبك تجدِ الطَّريق٥.
ومعنى ذلك: أنّك إذا رجعتَ إلى ذنبك انكسرتَ وذللتَ، وأطرقتَ بين يدي الله خاشعًا ذليلًا خائفًا٦، وهذه طريق العبوديّة.
والصّوابُ: التّفصيلُ في هذه المسألة، وهو أن يقال: إذا أحسَّ من نفسه
(١) من كلام الجنيد في قصة له مع السَّري السَّقَطي. انظر: "حلية الأولياء" (١٠/ ٢٧٤)، و"الرسالة القشيرية" (ص ٣٠١)، والمصنف صادر عن "شرح التلمساني" (١/ ٦٥). ونسيان الذنب هو مذهب الجنيد. وانظر أيضًا: "اللُّمع" للسرّاج (ص ٤٣).
(٢) بعده في ج: "بالتائب".
(٣) لم يرد "كان" في ع.
(٤) أخرجه ابن المبارك في "الزهد" (٤٨٩)، وابن أبي الدنيا في "الرقة والبكاء" (٣٣٨) و"العقوبات" (٢٠٨)، وابن جرير في "التفسير" (٢٠/ ٦٩)، والحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" (٨٣٨) وغيرهم عن عطاء الخراساني.
(٥) لم أقف عليه.
(٦) ش: "خاضعًا".
حالَ الصَّفاء غَيْمًا من الدّعوى ورقيقةً من العُجْب١ ونسيانِ المِنّة، وخطَفته نفسُه عن حقيقة فقره ونقصه، فذكرُ الذّنب أنفع له. وإن كان في حال مشاهدةِ منّة الله عليه، وكمالِ افتقاره إليه، وقيامِه٢ به، وعدمِ استغنائه عنه في ذرّةٍ من ذرّاته، وقد خالط قلبَه حالُ المحبّةِ والفرحِ بالله، والأنسِ به، والشَّوقِ إلى لقائه، وشهودِ سعةِ رحمته وحلمه وعفوه، وقد أشرقت على قلبه أنوارُ الأسماء والصِّفات= فنسيانُ الجناية والإعراض عن الذّنب أولى به وأنفع له٣، فإنّه متى رجع إلى ذكر الجناية توارى عنه ذلك، ونزل من عُلْوٍ إلى سُفْلٍ، ومن حالٍ إلى حالٍ بينهما من التّفاوت أبعَدُ ما بين السَّماء والأرض. وهذا من حسد الشّيطان له، أراد أن يحُطَّه عن مقامه وسَيْرِ قلبه في ميادين المعرفة والمحبّة والشّوق إلى وحشة الإساءة وحَصْر الجناية.
والأوّلُ٤ يكون شهودُه لجنايته منّةً من الله، منَّ بها٥ عليه ليؤمِّنه بها من مَقْتِ الدّعوى وحجاب الكِبْرِ الخفيِّ الذي لا يشعر به. فهذا لونٌ، وهذا لونٌ.
وهذا أمرٌ، الحكمُ٦ فيه أمرٌ وراء العبارة. وبالله التّوفيق، وهو المستعان.
(١) يعني: شيئًا يسيرًا منه. انظر ما كتبت في تفسير "الرقيقة" في "طريق الهجرتين" (١/ ٦٩) و"زاد المعاد" (٤/ ٣٣).
(٢) ع: "وفنائه". وفي ش: "وكماله".
(٣) "له" ساقط من ع.
(٤) ج: "فالأول".
(٥) لم يرد "بها" في ج.
(٦) م، ش: "المحكم". وفي ج: "الأمر المحكم". وفي ع: "وهذا المحكَّم".