اعلم أنّ صاحب البصيرة إذا صدرت منه الخطيئة فله نظرٌ إلى خمسة أمورٍ:
أحدها: أن ينظر إلى أمر الله تعالى له ونهيه، فيُحْدِثُ له ذلك الاعترافَ بكونها خطيئةً، والإقرارَ على نفسه بالذّنب١.
الثّاني: أن ينظر إلى الوعد والوعيد، فيُحدِثُ له ذلك خوفًا وخشيةً تحملُه على التّوبة.
الثّالث: أن ينظر إلى تمكين الله تعالى له٢ منها، وتخليتِه بينه وبينها، وتقديرِها عليه، وأنّه لو شاء لعَصَمه منها وحال بينها وبينه؛ فيُحْدِثُ له ذلك أنواعًا من المعرفة بالله وأسمائه وصفاته، وحكمته، ورحمته، ومغفرته وعفوه، وحلمه وكرمه. وتوجب له هذه المعرفةُ عبوديّةً بهذه الأسماء لا تحصل بدون لوازمها البتّة، ويعلم ارتباط الخلق والأمر والجزاء بالوعد٣ والوعيد بأسمائه وصفاته، وأنّ ذلك موجَبُ الأسماء والصِّفات، وأثرُها في الوجود، وأنَّ كلَّ اسمٍ وصفةٍ مقتضٍ لأثره وموجَبه، متعلِّقٌ به، لا بدَّ منه.
(١) في النسخ ــ ما عدا ع ــ هذا الأمر هو الثاني والثاني هو الأول إلا الأصل الذي أسقط منه الناسخ لانتقال النظر "إلى الوعد ... الثالث أن ينظر إلى"، فاستدركه في الهامش. وهذه العبارة دليل على أن موضعها بعد "الثاني: أن ينظر"، ولكن الناسخ وضع علامة اللحق بعد "أحدها أن ينظر" سهوًا فيما يظهر، فغيَّر بعضهم "الثالث" إلى "الثاني" في المستدرك، و"الثاني" إلى "الثالث" في المتن كما في النسخ الأخرى.
(٢) "له" من ع.
(٣) كذا في جميع النسخ. "بالوعد والوعيد" متعلق بالجزاء، و"بأسمائه وصفاته" متعلق بلفظ "ارتباط".
وهذا المشهد١ يُطْلِعُه على رياضٍ مُونقةٍ من المعارف والإيمان وأسرار القدر والحكمة، يضيقُ عن التَّعبير عنها نطاقُ الكَلِم.
فمن بعضها: ما ذكره الشَّيخ ﵀ أن يعرف العبدُ عزَّتَه في قضائه. وهو أنّه سبحانه العزيزُ الذي يقضي ما يشاء، وأنّه بكمال٢ عزِّه حكَم على العبد وقضى عليه بأن قلَّب قلبَه وصرَّف إرادتَه على ما يشاء، وحال بين العبد وقلبه، وجعلَه مريدًا شائيًا لما شاءه منه العزيز الحكيم. وهذا من كمال العزّة، إذ لا يقدر على ذلك إلّا الله تعالى. وغايةُ المخلوق أن يتصرَّف في بدنك وظاهرك، وأمَّا جعلُك مريدًا شائيًا لما يشاؤه منك ويريده٣، فلا يقدر عليه إلّا ذو العزّة الباهرة.
فإذا عرف العبدُ عزَّ سيِّده، ولاحظه بقلبه، وتمكَّن شهودُ ذلك٤ منه= كان الاشتغالُ به عن ذلِّ المعصية أولى به وأنفع له، لأنّه يصير مع الله لا مع نفسه.
ومن معرفة عزّته في قضائه: أن يعرفَ أنّه مدبَّرٌ مقهورٌ، ناصيتُه بيد غيره، لا عصمةَ له إلّا بعصمته، ولا توفيقَ له إلّا بمعونته، فهو ذليلٌ حقيرٌ، في قبضة
(١) تكلم المؤلف على هذا المشهد في أكثر من كتاب له، فأشار في "مفتاح دار السعادة" (٢/ ٨١٠) أنه ذكر نحو أربعين حكمة في "الفتوحات القدسية" له، وانظر: "بدائع الفوائد" (٤/ ١٥٥٢). ثم ذكر في "المفتاح" أكثر من ثلاثين حكمة وبسط القول فيها. وذكرها في "طريق الهجرتين" (١/ ٣٦٢ - ٣٧٢) باختصار.