مدارج السالكين

وهذا المشهد١ يُطْلِعُه على رياضٍ مُونقةٍ من المعارف والإيمان وأسرار القدر والحكمة، يضيقُ عن التَّعبير عنها نطاقُ الكَلِم.

فمن بعضها: ما ذكره الشَّيخ ﵀ أن يعرف العبدُ عزَّتَه في قضائه. وهو أنّه سبحانه العزيزُ الذي يقضي ما يشاء، وأنّه بكمال٢ عزِّه حكَم على العبد وقضى عليه بأن قلَّب قلبَه وصرَّف إرادتَه على ما يشاء، وحال بين العبد وقلبه، وجعلَه مريدًا شائيًا لما شاءه منه العزيز الحكيم. وهذا من كمال العزّة، إذ لا يقدر على ذلك إلّا الله تعالى. وغايةُ المخلوق أن يتصرَّف في بدنك وظاهرك، وأمَّا جعلُك مريدًا شائيًا لما يشاؤه منك ويريده٣، فلا يقدر عليه إلّا ذو العزّة الباهرة.

فإذا عرف العبدُ عزَّ سيِّده، ولاحظه بقلبه، وتمكَّن شهودُ ذلك٤ منه= كان الاشتغالُ به عن ذلِّ المعصية أولى به وأنفع له، لأنّه يصير مع الله لا مع نفسه.

ومن معرفة عزّته في قضائه: أن يعرفَ أنّه مدبَّرٌ مقهورٌ، ناصيتُه بيد غيره، لا عصمةَ له إلّا بعصمته، ولا توفيقَ له إلّا بمعونته، فهو ذليلٌ حقيرٌ، في قبضة

  1. (١) تكلم المؤلف على هذا المشهد في أكثر من كتاب له، فأشار في "مفتاح دار السعادة" (٢/ ٨١٠) أنه ذكر نحو أربعين حكمة في "الفتوحات القدسية" له، وانظر: "بدائع الفوائد" (٤/ ١٥٥٢). ثم ذكر في "المفتاح" أكثر من ثلاثين حكمة وبسط القول فيها. وذكرها في "طريق الهجرتين" (١/ ٣٦٢ - ٣٧٢) باختصار.
  2. (٢) ع: "لكمال".
  3. (٣) ع: "شاءه ... ". ج: "شاءه منك وأراده".
  4. (٤) ج، م، ش، ع: "شهوده".
321

عزيزٍ حميدٍ.

ومن شهود عزَّته أيضًا في قضائه: أن يشهدَ أنَّ الكمالَ والحمدَ والغناءَ التَّامَّ والعزَّةَ كلَّها لله، وأنَّه١ هو نفسُه أولى بالنَّقص٢ والذّمِّ والعَيب والظُّلم والحاجة. وكلَّما ازداد شهودُه لذلِّه ونقصه وعيبه وفقره، ازداد شهودُه لعزّة الله تعالى وكماله وحمده وغناه. وكذلك بالعكس. فنقصُ الذّنبِ وذلّتُه تُطلعه على مشهد العزَّة.

ومنها: أنَّ العبدَ لا يريد معصيةَ مولاه من حيث هي معصيةٌ، فإذا شهد جريانَ الحكم عليه وجَعْلَه فاعلًا لما هو غيرُ مختارٍ له ولا مريدٍ بإرادته ومشيئته واختياره، فكأنّه٣ مختارٌ غيرُ مختارٍ، مريدٌ غيرُ مريدٍ، شاءٍ غيرُ شاءٍ= فهذا يُشْهِدُه عزّةَ الله وعظمتَه وكمالَ قدرته.

ومنها: أن يعرف برَّه سبحانه في سَتْره عليه حالَ ارتكاب المعصية، مع كمال رؤيته له، ولو شاء لَفَضَحه بين خلقه، فحَذِرُوه؛ وهذا٤ من كمال بِرِّه، ومن أسمائه: البَرُّ. وهذا البِرُّ من سيِّده به مع كمالِ غناه عنه، وكمالِ فقر العبد إليه. فيشتغل بمطالعة هذه المنّة ومشاهدة هذا البِرِّ والإحسان والكرم، فيذهل عن ذُلِّ الخطيئة، فيبقى مع الله؛ وذلك أنفع له من اشتغاله بجنايته وشهودِ ذلِّ معصيته، فإنَّ الاشتغالَ بالله والغفلةَ عمَّا سواه هو المطلبُ الأعلى والمقصدُ الأسنى. ولا يُوجِب هذا نسيانَ الخطيئة مطلقًا، بل في هذه

  1. (١) ع: "وأنَّ العبد".
  2. (٢) ع: "بالتقصير".
  3. (٣) ع: "وكأنه".
  4. (٤) ج: "فهذا".
322

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي