مدارج السالكين

الصِّفة، وتعبُّدًا بمقتضاها. وذلك أكملُ في العبوديّة والمعرفة والمحبّة١.

ومنها: أن يكمِّل لعبده مراتبَ الذُّلِّ والخضوع والانكسار بين يديه، والافتقار إليه، فإنَّ النَّفسَ فيها مضاهاةُ الرُّبوبيَّة، ولو قدرَتْ لقالت كقول فرعون، ولكنَّه قدَر فأظهرَ، وغيرُه عجَز فأضمَر. وإنّما يُخلِّصها من هذه المضاهاة ذلُّ العبوديّة، وهو٢ أربع مراتب:

المرتبة الأولى مشتركةٌ بين الخلق، وهي: ذلُّ الحاجة والفقر إلى الله تعالى. فأهلُ السَّماوات والأرض محتاجون إليه فقراءُ إليه، وهو وحده الغنيُّ. وكلُّ أهل السّماوات والأرض يسألونه، وهو لا يسأل أحدًا.

المرتبة الثّانية: ذلُّ الطّاعة والعبوديّة، وهو ذلُّ الاختيار، وهذا خاصٌّ بأهل طاعته، وهو سرُّ العبوديّة.

المرتبة الثّالثة: ذلُّ المحبَّة، فإنَّ المحبَّ ذليلٌ بالذّات لمحبوبه، وعلى قدر محبّته له يكون ذلُّه له، فالمحبّةُ أسِّست على الذِّلّة للمحبوب، كما قيل:

اخضَعْ وذِلَّ لمن تحبُّ فليس فيحُكمِ الهوى أنفٌ يُشالُ ويُعقَدُ٣

وقال آخر:

  1. (١) ع: "المحبة والمعرفة".
  2. (٢) ج: "وهي".
  3. (٣) البيت لأبي تراب هبة الله ابن السريجي في "بدائع البدائه" (ص ١٧). وقد أنشده المؤلف في "طريق الهجرتين" (٢/ ٦٣٧)، و"روضة المحبين" (ص ٢٧٢، ٣٩٥)، و"مفتاح دار السعادة" (١/ ٦٦).
324
مساكينُ أهلُ الحبِّ حتّى قبورُهمعليها ترابُ الذُّلِّ بينَ المقابرِ١

المرتبة الرّابعة: ذلُّ المعصية والجناية.

فإذا اجتمعت هذه المراتبُ الأربعُ كان الذُّلُّ لله والخضوعُ له أكملَ وأتمَّ، إذ يذلُّ له خوفًا وخشيةً، ومحبّةً وإنابةً وطاعةً، وفقرًا وفاقةً.

وحقيقة ذلك هو الفقر الذي يشير إليه القوم. وهذا المعنى أجلُّ من أن يسمّى بالفقر، بل هو لبُّ العبوديّة وسرُّها. وحصولُه أنفع شيءٍ للعبد، وأحبُّ شيءٍ إلى الله. فلا بدَّ من تقدير لوازمه من أسباب الضَّعف والحاجة، وأسباب العبوديَّة والطَّاعة، وأسباب المحبَّة والإنابة، وأسباب المعصية والمخالفة؛ إذ وجودُ الملزوم بدون لازمه ممتنعٌ. والفائتُ من تقدير عدمِ هذا الملزومِ ولازمِه، مصلحةُ وجوده٢ خيرٌ من مصلحة فوته، ومفسدةُ فوته أكثرُ من مفسدة وجوده. والحكمةُ مبناها على دفعِ أعظمِ المفسدتين باحتمال أدناهما، وتحصيلِ أعظمِ المصلحتين بتفويت أدناهما. وقد فُتِح لك الباب، فإن كنتَ من أهل المعرفة فادخل، وإلّا فرُدَّ البابَ وارجِعْ بسلامٍ!

ومنها: أنّ أسماءه الحسنى تقتضي آثارها اقتضاءَ الأسباب التَّامَّةِ

  1. (١) البيت دون عزو في "الكشف والبيان" للثعلبي (٥/ ٥٨)، و"حماسة الظرفاء" (٢/ ١٠)، و"مصارع العشاق" (١/ ١٣٠). وهو في الديوان المنسوب إلى علي بن أبي طالب ﵁ (ص ٥٢ - الهند سنة ١٢٩٣) بلفظ "أهل الفقر". وأنشده المؤلف في "روضة المحبين" (ص ٢٧٢، ٣٩٥)، و"المفتاح" (١/ ٦٦) أيضًا، وأنشد مع البيتين أبياتًا أخرى في هذا المعنى.
  2. (٢) يعني: وجود الفائت. و"الفائتُ" مبتدأ أول، و"مصلحة" مبتدأ ثان.
325

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي