لمسبَّباتها، فاسم "السَّميع البصير" يقتضي مسموعًا ومبصرًا، واسم "الرَّزَّاق" يقتضي مرزوقًا، واسم "الرَّحيم" يقتضي مرحومًا، وكذلك اسم "الغفور"، و"العفوِّ"، و"التَّوَّاب"، و"الحليم" يقتضي مَن يغفر له، ويتوبُ عليه، ويعفو عنه، ويحلم عنه. ويستحيل تعطيلُ هذه الأسماء والصِّفات، إذ هي أسماءٌ حسنى وصفاتُ كمالٍ، ونعوتُ جلالٍ، وأفعالُ حكمةٍ وإحسانٍ وجودٍ، فلا بدَّ من ظهور آثارها في العالم. وقد أشار إلى هذا أعلَمُ الخلقِ بالله صلوات الله وسلامه عليه، حيث يقول: "لو لم تُذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقومٍ يُذنبون، ثمّ يستغفرون، فيغفر لهم"١.
وأنت إذا فرضت الحيوانَ بجملته معدومًا، فلِمَن يرزق الرَّزَّاقُ٢ سبحانه؟ وإذا فرضتَ المعصية والخطيئة منتفيةً من العالم، فلمن يغفر؟ وعمّن يعفو؟ وعلى من يتوبُ ويحلُم؟ وإذا٣ فرضتَ الفاقاتِ كلَّها قد سُدَّت، والعبيدُ أغنياءُ معافَون، فأين السُّؤال والتّضرُّع والابتهال، والإجابة وشهود الفضل والمنّة، والتّخصيص بالإنعام والإكرام؟
فسبحان من تعرَّف إلى خلقه بجميع التَّعرُّفات٤، ودلَّهم عليه بأنواع الدِّلالات، وفتَح لهم إليه جميعَ الطُّرقات، ثمّ نصَب إليه الصِّراطَ المستقيمَ،
(١) أخرجه مسلم (٢٧٤٩) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) ع: "الرازق"، وكذا كان في الأصل فأصلح.
(٣) ش: "فإذا".
(٤) ع: "بجميع أنواع التعرفات". وفي ج: "الصفات" بدلًا من "التعرفات". وفي غيرهما: "التصرفات". وكلاهما تحريف. وقد سبق مثله في منزلة "البصيرة" (ص ١٩٢) وسيأتي (٢/ ١٦). وانظر: "مفتاح دار السعادة" (٢/ ٥٦٥).
وعرَّفهم به ودلَّهم عليه ﴿مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ﴾[الأنفال: ٤٢].
فصل
ومنها: السِّرُّ الأعظم، الذي لا تقتحمه العبارة، ولا تجسُر عليه الإشارة، ولا ينادي عليه منادي الإيمان على رؤوس الأشهاد، فشهدته١ قلوبُ خواصِّ العباد، فازدادت به معرفةً لربِّها، ومحبّةً له٢، وطمأنينةً وشوقًا إليه، ولهجًا بذكره، وشهودًا لبِرِّه٣، ولطفه وكرمه وإحسانه، ومطالعةً لسرِّ العبوديّة، وإشرافًا على حقيقة الإلهيّة. وهو ما ثبت في "الصَّحيحين"٤ من حديث أنس بن مالكٍ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "لَلّهُ أفرَحُ بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرضٍ فلاةٍ، فانفلتت منه، وعليها طعامُه وشرابُه، فأيِسَ منها، فأتى شجرةً فاضطجع في ظلِّها، قد أيس من راحلته. فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمةً عنده. فأخذ بخطامها، ثمّ قال من شدّة الفرح: اللهمَّ أنت عبدي وأنا ربُّك! أخطأ من شدّة الفرح". هذا لفظ مسلمٍ.
وفي الحديث من قواعد العلم: أنَّ اللَّفظَ٥ الذي يجري على لسان
(١) في ج أهمل الحرف الذي يلي الدال. وفي ش: "فتشهد به". والمثبت من ق، م. وكذا كان في ل فغيِّر إلى "فشهد به" كما في ع.