مدارج السالكين

وعرَّفهم به ودلَّهم عليه ﴿مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ﴾ [الأنفال: ٤٢].

فصل

ومنها: السِّرُّ الأعظم، الذي لا تقتحمه العبارة، ولا تجسُر عليه الإشارة، ولا ينادي عليه منادي الإيمان على رؤوس الأشهاد، فشهدته١ قلوبُ خواصِّ العباد، فازدادت به معرفةً لربِّها، ومحبّةً له٢، وطمأنينةً وشوقًا إليه، ولهجًا بذكره، وشهودًا لبِرِّه٣، ولطفه وكرمه وإحسانه، ومطالعةً لسرِّ العبوديّة، وإشرافًا على حقيقة الإلهيّة. وهو ما ثبت في "الصَّحيحين"٤ من حديث أنس بن مالكٍ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "لَلّهُ أفرَحُ بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرضٍ فلاةٍ، فانفلتت منه، وعليها طعامُه وشرابُه، فأيِسَ منها، فأتى شجرةً فاضطجع في ظلِّها، قد أيس من راحلته. فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمةً عنده. فأخذ بخطامها، ثمّ قال من شدّة الفرح: اللهمَّ أنت عبدي وأنا ربُّك! أخطأ من شدّة الفرح". هذا لفظ مسلمٍ.

وفي الحديث من قواعد العلم: أنَّ اللَّفظَ٥ الذي يجري على لسان

  1. (١) في ج أهمل الحرف الذي يلي الدال. وفي ش: "فتشهد به". والمثبت من ق، م. وكذا كان في ل فغيِّر إلى "فشهد به" كما في ع.
  2. (٢) "له" ساقط من ش.
  3. (٣) ج: "وشهود نصره"، ولعله تحريف.
  4. (٤) البخاري (٦٣٠٩) ومسلم (٢٧٤٧) وقد تقدَّم.
  5. (٥) ج: "الكلام".
327

العبد خطأً من فرحٍ شديدٍ أو غيظٍ١ شديدٍ أو نحوه لا يؤاخَذ به. ولهذا لم يكن هذا كافرًا بقوله: أنت عبدي وأنا ربُّك.

ومعلومٌ أنّ تأثيرَ الغضب في عدم القصد يصل إلى هذه الحال أو أعظمَ منها، فلا ينبغي مؤاخذةُ الغضبان بما صدَر منه في حالِ شدّة غضبه من نحو هذا الكلام، ولا يقع طلاقُه بذلك ولا رِدَّتُه. وقد نصَّ الإمام أحمدُ ﵁٢ على تفسير "الإغلاق" في قوله ﷺ: "لا طلاق في إغلاقٍ"٣ بأنّه الغضب وفسَّره به غير واحدٍ من الأئمّة. وفسَّروه بالإكراه، وفسَّروه بالجنون٤. قال شيخنا ﵀: وهو يعُمُّ هذا كلَّه، وهو من الغلَق، لانغلاق قصد المتكلِّم عليه، فكأنّه لم ينفتح قلبُه لمعنى ما قاله٥.

  1. (١) رسمه في الأصل وغيره بالضاد، ثم أصلح في م، ش.
  2. (٢) في رواية حنبلٍ، نقله المؤلف في "أعلام الموقعين" (٢/ ٥٠٧) عن "زاد المسافر" لأبي بكر غلام الخلال (٣/ ٢٦٥)، وذكر في "زاد المعاد" (٥/ ٣٠٧) أن تفسير الإمام أحمد بالغضب حكاه عنه الخلال وأبو بكر في "الشافي" و"زاد المسافر". وانظر: "إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان" (ص ٦ - ٧).
  3. (٣) أخرجه أحمد (٢٦٣٦٠) وأبو داود (٢١٩٣) وابن ماجه (٢٠٤٦) والدارقطني (٣٩٨٨) والحاكم (٢/ ٢٣٦) والبيهقي (١٠/ ٦١) من طريق محمد بن عبيد بن أبي صالح (عند ابن ماجه: عبيد الله بن أبي صالح، وهو وهْم" عن صفية بنت شيبة عن أم المؤمنين عائشة، وفيه محمد بن عبيد وهو ضعيف. وله طرق أخرى لا تخلو من مقال. وهذا الطريق هو الأشبه كما قاله أبو حاتم الرازي، انظر: "العلل" لابن أبي حاتم (١٢٩٢، ١٣٠٠). والحديث حسنه الألباني بمجموع طرقه في "الإرواء" (٢٠٤٧)، وانظر: "صحيح أبي داود- الأم" (٦/ ٣٩٦).
  4. (٤) انظر: "أعلام الموقعين" (٣/ ٥١٢)، و"زاد المعاد" (٥/ ٣٠٧).
  5. (٥) نقل المؤلف قول شيخه في "تهذيب السنن" (١/ ٥٢٤) أيضًا. وانظر نحوه دون عزو إليه في "الصواعق" (٢/ ٥٦٤ - ٥٦٥).
328

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي