مدارج السالكين

العبد خطأً من فرحٍ شديدٍ أو غيظٍ١ شديدٍ أو نحوه لا يؤاخَذ به. ولهذا لم يكن هذا كافرًا بقوله: أنت عبدي وأنا ربُّك.

ومعلومٌ أنّ تأثيرَ الغضب في عدم القصد يصل إلى هذه الحال أو أعظمَ منها، فلا ينبغي مؤاخذةُ الغضبان بما صدَر منه في حالِ شدّة غضبه من نحو هذا الكلام، ولا يقع طلاقُه بذلك ولا رِدَّتُه. وقد نصَّ الإمام أحمدُ ﵁٢ على تفسير "الإغلاق" في قوله ﷺ: "لا طلاق في إغلاقٍ"٣ بأنّه الغضب وفسَّره به غير واحدٍ من الأئمّة. وفسَّروه بالإكراه، وفسَّروه بالجنون٤. قال شيخنا ﵀: وهو يعُمُّ هذا كلَّه، وهو من الغلَق، لانغلاق قصد المتكلِّم عليه، فكأنّه لم ينفتح قلبُه لمعنى ما قاله٥.

  1. (١) رسمه في الأصل وغيره بالضاد، ثم أصلح في م، ش.
  2. (٢) في رواية حنبلٍ، نقله المؤلف في "أعلام الموقعين" (٢/ ٥٠٧) عن "زاد المسافر" لأبي بكر غلام الخلال (٣/ ٢٦٥)، وذكر في "زاد المعاد" (٥/ ٣٠٧) أن تفسير الإمام أحمد بالغضب حكاه عنه الخلال وأبو بكر في "الشافي" و"زاد المسافر". وانظر: "إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان" (ص ٦ - ٧).
  3. (٣) أخرجه أحمد (٢٦٣٦٠) وأبو داود (٢١٩٣) وابن ماجه (٢٠٤٦) والدارقطني (٣٩٨٨) والحاكم (٢/ ٢٣٦) والبيهقي (١٠/ ٦١) من طريق محمد بن عبيد بن أبي صالح (عند ابن ماجه: عبيد الله بن أبي صالح، وهو وهْم" عن صفية بنت شيبة عن أم المؤمنين عائشة، وفيه محمد بن عبيد وهو ضعيف. وله طرق أخرى لا تخلو من مقال. وهذا الطريق هو الأشبه كما قاله أبو حاتم الرازي، انظر: "العلل" لابن أبي حاتم (١٢٩٢، ١٣٠٠). والحديث حسنه الألباني بمجموع طرقه في "الإرواء" (٢٠٤٧)، وانظر: "صحيح أبي داود- الأم" (٦/ ٣٩٦).
  4. (٤) انظر: "أعلام الموقعين" (٣/ ٥١٢)، و"زاد المعاد" (٥/ ٣٠٧).
  5. (٥) نقل المؤلف قول شيخه في "تهذيب السنن" (١/ ٥٢٤) أيضًا. وانظر نحوه دون عزو إليه في "الصواعق" (٢/ ٥٦٤ - ٥٦٥).
328

والقصد: أنَّ هذا الفرحَ له شأنٌ لا ينبغي للعبد إهمالُه والإعراضُ عنه، ولا يطَّلع عليه إلّا مَن له معرفةٌ خاصَّةٌ بالله وأسمائه وصفاته وما يليق بعزِّ جلاله.

وقد كان الأولى بنا طيَّ الكلام فيه إلى ما هو اللّائقُ بأفهام بني الزَّمان وعلومهم، ونهايةِ أقدامهم من المعرفة، وضعفِ عقولهم عن احتماله؛ غير أنّا نعلم أنَّ الله سيسوقُ هذه البضاعةَ إلى تُجَّارها ومَن هو عارفٌ بقدرها، وإن وقعت في الطّريق بيد من ليس عارفًا بها، فرُبَّ حاملِ فقهٍ ليس بفقيهٍ، ورُبَّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه١.

فاعلم أنَّ الله سبحانه٢ اختصَّ نوعَ الإنسان من بين خلقه بأن كرَّمه وفضَّلَه وشرَّفَه، وخلَقه لنفسه، وخلَق كلَّ شيءٍ له، وخصَّه من معرفته ومحبّته وقربه وإكرامه بما لم يعطه غيرَه، وسخَّر له ما في سماواته وأرضه وما بينهما، حتّى ملائكته الذين هم أهلُ قربه، واستخدمهم له، وجعلهم حَفَظةً له في منامه ويقظته وظعنه وإقامته، وأنزل إليه وعليه كتبَه، وأرسله٣ وأرسل إليه، وخاطَبه وكلَّمه منه إليه، واتّخذ منهم الخليل والكليم، والأولياءَ والخواصَّ والأحِبَّاءَ، وجعلهم معدنَ أسراره ومحلَّ حكمته وموضعَ حبِّه، وخلق لهم الجنّة والنّار. فالخلقُ والأمرُ والثّوابُ والعقابُ مدارهُ على النَّوع الإنسانيِّ، فإنّه خلاصةُ الخلق، وهو المقصودُ بالأمر والنّهي، وعليه الثَّوابُ والعقابُ.

  1. (١) "منه" ساقط من ش.
  2. (٢) بعده في ج: "وله الحمد".
  3. (٣) ج، م، ش: "ورسله". وكان في ل كما أثبت من الأصل فطمس بعضهم الهمزة.
329

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي