مدارج السالكين

والقصد: أنَّ هذا الفرحَ له شأنٌ لا ينبغي للعبد إهمالُه والإعراضُ عنه، ولا يطَّلع عليه إلّا مَن له معرفةٌ خاصَّةٌ بالله وأسمائه وصفاته وما يليق بعزِّ جلاله.

وقد كان الأولى بنا طيَّ الكلام فيه إلى ما هو اللّائقُ بأفهام بني الزَّمان وعلومهم، ونهايةِ أقدامهم من المعرفة، وضعفِ عقولهم عن احتماله؛ غير أنّا نعلم أنَّ الله سيسوقُ هذه البضاعةَ إلى تُجَّارها ومَن هو عارفٌ بقدرها، وإن وقعت في الطّريق بيد من ليس عارفًا بها، فرُبَّ حاملِ فقهٍ ليس بفقيهٍ، ورُبَّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه١.

فاعلم أنَّ الله سبحانه٢ اختصَّ نوعَ الإنسان من بين خلقه بأن كرَّمه وفضَّلَه وشرَّفَه، وخلَقه لنفسه، وخلَق كلَّ شيءٍ له، وخصَّه من معرفته ومحبّته وقربه وإكرامه بما لم يعطه غيرَه، وسخَّر له ما في سماواته وأرضه وما بينهما، حتّى ملائكته الذين هم أهلُ قربه، واستخدمهم له، وجعلهم حَفَظةً له في منامه ويقظته وظعنه وإقامته، وأنزل إليه وعليه كتبَه، وأرسله٣ وأرسل إليه، وخاطَبه وكلَّمه منه إليه، واتّخذ منهم الخليل والكليم، والأولياءَ والخواصَّ والأحِبَّاءَ، وجعلهم معدنَ أسراره ومحلَّ حكمته وموضعَ حبِّه، وخلق لهم الجنّة والنّار. فالخلقُ والأمرُ والثّوابُ والعقابُ مدارهُ على النَّوع الإنسانيِّ، فإنّه خلاصةُ الخلق، وهو المقصودُ بالأمر والنّهي، وعليه الثَّوابُ والعقابُ.

  1. (١) "منه" ساقط من ش.
  2. (٢) بعده في ج: "وله الحمد".
  3. (٣) ج، م، ش: "ورسله". وكان في ل كما أثبت من الأصل فطمس بعضهم الهمزة.
329

فللإنسان شأنٌ ليس لسائر المخلوقات. وقد خلَق أباه بيده١، ونفَخ فيه من روحه، وأسجَدَ له ملائكتَه، وعلَّمه أسماءَ كلِّ شيءٍ، وأظهر فضلَه على الملائكة فمَن دونهم من جميع المخلوقات. وطرَد إبليسَ عن قربه، وأبعدَه عن بابه إذ لم يسجد له مع السَّاجدين، واتّخذَه عدوًّا له.

فالمؤمنون من نوع الإنسان خيرُ البريّة على الإطلاق، وخِيرةُ الله من العالمين؛ فإنّه خلَقه لِتَتمَّ٢ نعمتُه عليه، وليتواتر إحسانُه٣ إليه، وليخصَّه من كرامته وفضله بما لم تنله أمنيّتُه، ولم يخطر على باله ولم يشعُر به، ليسأله من المواهب والعطايا الباطنة والظّاهرة العاجلة والآجلة التي لا تُنال إلّا بمحبَّته، ولا تُنال محبَّتُه إلّا بطاعته وإيثاره على ما سواه. فاتّخذه محبوبًا له، وأعدَّ له أفضلَ ما يُعِدُّه محبٌّ غنيٌّ٤ قادرٌ جوادٌ لمحبوبه إذا قَدِم عليه. وعَهِد إليه عهدًا تقدَّم إليه فيه بأوامره ونواهيه، وأعلَمه في عهده ما يقرِّبه إليه ويزيده محبّةً له وكرامةً عليه، وما يُبعِده منه، ويُسْخطه عليه، ويُسْقِطه من عينه.

وللمحبوب عدوٌّ، هو أبغَضُ خلقه إليه، قد جاهَره بالعداوة، وأمرَ عباده أن يكون دينُهم وطاعتُهم٥ وعبادتُهم له دون وليِّهم ومعبودهم الحقِّ، واستقطَع عباده، واتّخذ منهم حزبًا ظاهَروه ووالَوه على ربِّهم، وكانوا

  1. (١) ع: "بيديه".
  2. (٢) هكذا في الأصل. وفي ع: "ليُتمَّ". وفي ش: "فليتم".
  3. (٣) ما عدا ع: "إحسان الله".
  4. (٤) لفظ "غني" ساقط من ج.
  5. (٥) "وطاعتهم" ساقط من ج.
330

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي