مدارج السالكين

أعداءً١ له مع هذا العدوِّ، يدعُون إلى سخطه، ويطعنون في ربوبيّته وإلهيّته ووحدانيّته، ويسبُّونه ويكذِّبونه، ويفتنون أولياءه، ويؤذونهم بأنواع الأذى، ويجتهدون على إعدامِهم من الوجود، وإقامةِ الدّولة لهم، ومحوِ كلِّ ما يحبُّه الله ويرضاه وتبديله بكلِّ ما٢ يسخَطه ويكرهه= فعرَّفه بهذا العدوِّ وطرائقهم وأعمالهم ومآلهم، وحذَّره موالاتَهم والدُّخولَ في زمرتهم والكونَ معهم.

وأخبره في عهده أنّه أجودُ الأجودين، وأكرمُ الأكرمين، وأرحمُ الرَّاحمين؛ وأنّه سبقت رحمتُه غضبَه، وحلمُه عقوبتَه، وعفوُه مؤاخذتَه؛ وأنّه قد أفاض على خلقه النِّعمة، وكتب على نفسه الرّحمة؛ وأنّه يحبُّ الإحسان والجود والعطاء والبِرَّ؛ وأنَّ الفضلَ كلَّه بيده، والخيرَ كلَّه منه، والجودَ كلَّه له. وأحبُّ ما إليه أن يجودَ على عباده ويُوسِعَهم فضلًا، ويغمرَهم إحسانًا وجودًا، ويتمّ عليهم نعمَه، ويضاعف لديهم مننَه، ويتعرَّفَ إليهم بأوصافه وأسمائه، ويتحبَّب إليهم بنعمه وآلائه.

فهو الجواد لذاته، وجُودُ كلِّ جوادٍ خلَقه الله ويخلُقه أبدًا أقلُّ من ذرّةٍ بالقياس إلى جوده. فليس الجواد على الإطلاق إلّا هو، وجُودُ كلِّ جوادٍ فمن جوده. ومحبَّتُه للجود والإعطاء والإحسان والبرِّ والإنعام والإفضال فوقَ ما يخطُر ببال الخلق أو يدور في أوهامهم. وفرَحُه بعطائه وجوده وإفضاله أشدُّ من فرَحِ الآخذ بما يعطاه ويأخذه أحوجَ ما هو إليه، وأعظَمُ ما كان قدرًا. فإذا اجتمع شدّةُ الحاجة وعِظَمُ قدر العطيّة والنَّفع بها، فما الظَّنُّ بفرَح المعطَى! ففرحُ المعطي سبحانه بعطائه أشدُّ وأعظمُ من فرح هذا بما يأخذه. ولله المثل

  1. (١) ما عدا ع: "أهلا"، تحريف.
  2. (٢) ما عدا ع: "بدل"، ولعله تحريف.
331

الأعلى، إذ هذا شأنُ الجواد من الخلق، فإنّه يحصل له من الفرحة والسُّرور والابتهاج واللَّذَّة بعطائه وجُوده فوقَ ما يحصل لمن يعطيه؛ ولكنَّ الآخذَ غائبٌ بلذّة أخذه١ عن لذّة المعطي وابتهاجه وسروره. هذا مع حاجته٢ إلى ما يعطيه وفقره إليه، وعدمِ وثوقه باستخلاف مثله، وخوفِ الحاجة إليه عند ذهابه، والتّعرُّضِ لذلِّ الاستعانة بنظيره أو مَن هو دونه، ونفسُه قد طُبِعت على الحرص والشُّحِّ. فما الظّنُّ بمن تقدَّس وتنزَّه عن ذلك كلِّه؟ ولو أنَّ أهلَ سماواته وأرضه، وأوّلَ خلقه وآخرَهم، وإنسَهم وجنَّهم، ورطبَهم ويابسَهم، قاموا في صعيدٍ واحدٍ فسألوه، فأعطى كلًّا منهم ما سأله= ما نقَص ذلك ممَّا عنده مثقالَ ذرّةٍ.

وهو الجواد لذاته، كما أنّه الحيُّ لذاته، العليمُ لذاته، السَّميعُ البصيرُ لذاته٣، فجوده العالي من لوازم ذاته. والعفوُ أحبُّ إليه من الانتقام، والرّحمةُ أحبُّ إليه من العقوبة، والفضلُ أحبُّ إليه من العدل، والعطاءُ أحبُّ إليه من المنع. فإذا تعرَّض عبدُه ومحبوبُه الذي خلَقه لنفسه، وأعدَّ له أنواعَ كرامته، وفضَّله على غيره، وجعلَه محلَّ معرفته، وأنزل إليه كتابه، وأرسل إليه رسوله، واعتنى بأمره ولم يهمله، ولم يتركه سدًى= فتعرَّض لغضبه، وارتكب مساخطَه وما يكرهه، وأبَق منه، ووالى عدوَّه، وظاهَره عليه، وتحيَّز إليه، وقطَع طريقَ نعمه وإحسانه إليه التي هي أحبُّ شيءٍ إليه، وفتَح طريقَ العقوبة والانتقام والغضب= فقد استدعى من الجواد الكريم خلافَ ما هو

  1. (١) ج: "ما يأخذه".
  2. (٢) ع: "مع كمال حاجته".
  3. (٣) "العليم ... لذاته" ساقط من ج.
332

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي