الرَّحمة والشَّفقة. وتأمَّلْ قوله ﷺ: "لَلّهُ أرحَمُ بعباده من الوالدة بولدها"١. وأين تقع رحمةُ الوالدة من رحمة الله؟ فإذا أغضبه العبدُ بمعصيته فقد استدعى منه صرفَ تلك الرَّحمة عنه، فإذا تاب إليه فقد استدعى منه ما هو أهله وأولى به.
فهذه نبذةٌ يسيرةٌ تُطلعك على سرِّ فرَحِ الله بتوبة عبده أعظمَ من فرحِ هذا الواجد لراحلته في الأرض المهلكة بعد اليأس منها. ووراء هذا ما تجفو عنه العبارة، وتدِقُّ عن إدراكه الأذهان.
وإيّاك وطريقةَ التَّعطيل والتَّمثيل، فإنَّ كلًّا منهما منزلٌ ذميمٌ، ومرتَعٌ على عِلَّاته وخيمٌ. ولا يحِلُّ لأحدهما أن يجد روائحَ هذا الأمر ونفَسَه، لأنَّ زكامَ التَّعطيل والتَّمثيل مفسِدٌ لحاسَّة الشَّمِّ، كما هو مفسِدٌ لحاسَّة الذَّوق، فلا يذوق طعمَ الإيمان، ولا يجد ريحَه. والمحرومُ كلُّ المحروم من عُرِضَ عليه الغنى والخيرُ فلم يقبله! ولا مانعَ لما أعطى الله، ولا معطيَ لما منَع، والفضلُ بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
فصل
هذا إذا نظرتَ إلى تعلُّق الفرح الإلهيِّ بالإحسان والجود والبرِّ.
وأمّا إن لاحظتَ تعلُّقه بإلهيّته وكونهِ معبودًا، فذاك مشهدٌ أجلُّ من هذا وأعظمُ منه، وإنّما يشهده خواصُّ المحبِّين.
فإنّ الله سبحانه إنّما خلق الخلقَ لعبادته الجامعة لمحبَّتِه والخضوعِ له وطاعتِه، وهذا هو الحقُّ الذي خُلِقت به السّماوات والأرض، وهو غاية
(١) أخرجه البخاري (٥٩٩٩)، ومسلم (٢٧٥٤) من حديث عمر بن الخطاب ﵁.
الخلق والأمر. ونفيُه كما يقول أعداؤه هو الباطلُ والعبَثُ الذي نزَّه نفسَه عنه، وهو السُّدى الذي نزَّه نفسَه عن أن يترك الإنسانَ عليه. فهو سبحانه يحبُّ أن يُعبَد ويُطاعَ، ولا يعبأ بخلقه شيئًا لولا محبّتهم وطاعتهم له. وقد أنكر على من زعم أنّه خلقهم لغير ذلك. وإنّهم لو خُلِقوا لغير عبادته وتوحيده وطاعته١ لكان خلقُهم عبثًا وباطلًا وسدًى، وذلك ما٢ يتعالى عنه أحكمُ الحاكمين والإله الحقُّ.
فإذا خرج العبدُ عمّا خُلِق له من طاعته وعبوديَّته٣، فقد خرج عن أحبِّ الأشياء إليه، وعن الغاية التي لأجلها خُلِقت الخليقة، وصار كأنّه خُلِقَ عبثًا لغير شيءٍ، إذ لم تُخرج أرضُه البذرَ الذي وُضِع فيها، بل قلبَتْه شوكًا ودَغَلًا٤. فإذا راجعَ ما خُلِق له ووُجِد لأجله فقد رجع إلى الغاية التي هي أحبُّ الأشياء إلى خالقه وفاطره، ورجع إلى مقتضى الحكمة التي خُلِق لأجلها، وخرَج عن معنى العبث والسُّدى والباطل. فاشتدَّت محبَّةُ الرَّبِّ له فإنَّ اللهَ يحبُّ التَّوَّابين، فأوجبت هذه المحبّةُ فرحًا كأعظم ما يقدَّر من الفرح.
ولو كان في الفرح المشهود في هذا العالم نوعٌ أعظمُ من هذا الذي ذكره النّبيُّ ﷺ لَذكَره، ولكن لا فرحةَ أعظمُ من فرحة هذا الواجدِ الفاقدِ لمادّة حياته وبلاغه في سفره، بعد يأسه من أسباب الحياة بفقده. وهذا لشدَّة محبّته
(١) العبارة "وقد أنكر ... طاعته" ساقطة من م.
(٢) ع: "مما".
(٣) ع: "الطاعة والعبودية".
(٤) المقصود بالدَّغَل هنا النباتات الطفيلية التي تنبت حول الزرع وتزاحمه.