لتوبة التّائب. والمحبُّ إذا اشتدَّت محبَّتُه للشَّيء وغاب١ عنه، ثمّ وَجَده وصار طوعَ يديه، فلا فرحةَ أعظمُ من فرحته به.
فما٢ الظّنُّ بمحبوبٍ لك تحبُّه حبًّا شديدًا، وأسره عدوُّك، وحال بينك وبينه، وأنت تعلم أنَّ العدوَّ سيسومُه سوءَ العذاب، ويعرِّضه لأنواع الهلاك، وأنت أولى به منه، وهو غرسُك وتربيتُك. ثمّ إنّه انفلتَ من عدوِّه، ووافاك على غير ميعادٍ، فلم يفجأك إلّا وهو على بابك، يتملَّقُك٣ ويترضَّاك ويستعتبُك، ويمرِّغ خدَّيه على ثرى٤ أعتابك= فكيف يكون فرحُك به، وقد اختصَّيْتَه٥ لنفسك، ورضيتَه لقربك٦، وآثرتَه على سواه؟ هذا، ولستَ الذي أوجدتَه وخلقتَه، وأسبغتَ عليه نعمَك.
واللهُ ﷿ هو الذي أوجد عبدَه، وخلَقه وكوَّنه، وأسبغ عليه نعمَه، وهو يحبُّ أن يتمَّها عليه، فيصيرَ مُظْهِرًا لنعمه، قابلًا لها، شاكرًا لها، محبًّا لوليِّها مطيعًا له عابدًا له، معاديًا لعدوِّه مبغضًا له عاصيًا له. والله تعالى يحبُّ من عبده معاداةَ عدوِّه ومعصيتَه ومخالفتَه، كما يحبُّ أن يُواليَه سبحانه ويطيعَه ويعبدَه؛ فتنضافُ محبَّتُه لعبادته وطاعته والإنابة إليه، إلى محبّته لعداوة عدوِّه ومعصيته ومخالفته، فتشتدُّ المحبّةُ منه سبحانه مع حصول
(١) ج: "فغاب".
(٢) ل: "بل فما"، ولم ترد زيادة "بل" في النسخ الأخرى.
(٣) ع: "يتملَّق لك".
(٤) ع: "ترب".
(٥) كذا في جميع النسخ. أصله: اختصَصْتَه، من كلام العامة مثل ظنَّيْتُ واستمرَّيْتُ.
(٦) ش: "لديك".
محبوبه. وهذا حقيقة الفرح.
وفي صفة النّبيِّ ﷺ في بعض الكتب المتقدِّمة: "عبدي الذي سُرَّتْ به نفسي"١. وهذا لكمال محبّته له، جعَلَه ممّا تُسَرُّ به نفسُه سبحانه.
ومن هذا: ضَحِكهُ سبحانه من عبده حين يأتي من عبوديّته بأعظم ما يحبُّه، فيضحكُ سبحانه فرحًا به ورضًا، كما يضحكُ من عبده إذا ثار عن وطائه وفراشه ومضاجعة حبيبه إلى خدمته يتلو آياته ويتملَّقه٢. ويضحكُ من رجلٍ هرب أصحابه عن العدوِّ، فأقبل إليهم٣، وباع نفسَه لله ولقَّاهم نحرَه، حتّى قُتِل في محبّته ورضاه٤.
(١) سفر إشعياء (٤٢/ ١) ونصُّه في الترجمة التي بين يديَّ: "هو ذا عبدي الذي أعضُده، مختاري الذي سُرَّت به نفسي". وقد ذكره المؤلف في "هداية الحيارى" (ص ١٨٣) أيضًا. وانظر: "إنجيل متَّى" (١٢/ ١٨) وقد حاول كاتبه أن يصرف النص إلى المسيح ﵇.
(٢) يشير إلى حديث عبد الله بن مسعود ﵁ الذي أخرجه أحمد (٣٩٤٩) وابن خزيمة في "التوحيد" (٧٩٩) وابن حبان (٢٥٥٧، ٢٥٥٨) والطبراني (١٠/ ١٧٩) وأبو نعيم (٤/ ١٦٧) والبيهقي (٩/ ١٦٤)، وفيه عطاء بن السائب، والراوي عنه حماد بن سلمة، وهو ممن سمع منه بعد الاختلاط. وتابع ابنَ سلمة حمادُ بن زيد عند الطبراني (٩/ ١٠١) وهو ممن سمع من عطاء قبل الاختلاط، فيتقوى به الطريق الأول، ولكن رجح الدارقطني في "العلل" (٨٦٩) الوقف على ابن مسعود. وله حكم الرفع إذ مثله لا يقال من قِبَل الرأي. وينظر: "الصحيحة" (٣٤٧٨).
(٣) يعني: إلى العدوِّ.
(٤) يشير إلى حديث أبي الدرداء ﵁ الذي أخرجه البيهقي في "الأسماء والصفات" (٩٨٣) وإسناده حسن في الشواهد، والحديث حسَّنه الألباني في "الصحيحة" (٣٤٧٨).