مدارج السالكين

محبوبه. وهذا حقيقة الفرح.

وفي صفة النّبيِّ ﷺ في بعض الكتب المتقدِّمة: "عبدي الذي سُرَّتْ به نفسي"١. وهذا لكمال محبّته له، جعَلَه ممّا تُسَرُّ به نفسُه سبحانه.

ومن هذا: ضَحِكهُ سبحانه من عبده حين يأتي من عبوديّته بأعظم ما يحبُّه، فيضحكُ سبحانه فرحًا به ورضًا، كما يضحكُ من عبده إذا ثار عن وطائه وفراشه ومضاجعة حبيبه إلى خدمته يتلو آياته ويتملَّقه٢. ويضحكُ من رجلٍ هرب أصحابه عن العدوِّ، فأقبل إليهم٣، وباع نفسَه لله ولقَّاهم نحرَه، حتّى قُتِل في محبّته ورضاه٤.

  1. (١) سفر إشعياء (٤٢/ ١) ونصُّه في الترجمة التي بين يديَّ: "هو ذا عبدي الذي أعضُده، مختاري الذي سُرَّت به نفسي". وقد ذكره المؤلف في "هداية الحيارى" (ص ١٨٣) أيضًا. وانظر: "إنجيل متَّى" (١٢/ ١٨) وقد حاول كاتبه أن يصرف النص إلى المسيح ﵇.
  2. (٢) يشير إلى حديث عبد الله بن مسعود ﵁ الذي أخرجه أحمد (٣٩٤٩) وابن خزيمة في "التوحيد" (٧٩٩) وابن حبان (٢٥٥٧، ٢٥٥٨) والطبراني (١٠/ ١٧٩) وأبو نعيم (٤/ ١٦٧) والبيهقي (٩/ ١٦٤)، وفيه عطاء بن السائب، والراوي عنه حماد بن سلمة، وهو ممن سمع منه بعد الاختلاط. وتابع ابنَ سلمة حمادُ بن زيد عند الطبراني (٩/ ١٠١) وهو ممن سمع من عطاء قبل الاختلاط، فيتقوى به الطريق الأول، ولكن رجح الدارقطني في "العلل" (٨٦٩) الوقف على ابن مسعود. وله حكم الرفع إذ مثله لا يقال من قِبَل الرأي. وينظر: "الصحيحة" (٣٤٧٨).
  3. (٣) يعني: إلى العدوِّ.
  4. (٤) يشير إلى حديث أبي الدرداء ﵁ الذي أخرجه البيهقي في "الأسماء والصفات" (٩٨٣) وإسناده حسن في الشواهد، والحديث حسَّنه الألباني في "الصحيحة" (٣٤٧٨).
338

ويضحك إلى من أخفى الصّدقةَ عن أصحابه لسائلٍ اعتراهم فلم يعطُوه، فتخلَّف بأعقابهم، وأعطاه سرًّا حيث لا يراه إلّا الله تعالى والذي أعطاه١؛ فهذا الضَّحِك منه٢ حبًّا له وفرحًا به. وكذلك الشّهيدُ حين يلقاه يوم القيامة، فيضحك إليه فرحًا به وبقدومه عليه٣.

وليس في إثبات هذه الصِّفات محذورٌ البتّة، فإنّه فرَحٌ ليس كمثله شيءٌ، وضَحِكٌ ليس كمثله شيءٌ، وحكمُه حكمُ رضاه ومحبّته وإرادته وسائر صفاته. فالباب بابٌ واحدٌ، لا تمثيل ولا تعطيل.

وليس ما يُلزِمُ به المعطِّلُ للمثبِت٤ إلّا ظلمٌ محضٌ وتناقضٌ وتلاعبٌ،

  1. (١) يشير إلى حديث أبي ذر ﵁ الذي أخرجه أحمد (٢١٣٥٥) والترمذي (٢٥٦٨) والنسائي في "المجتبى" (١٦١٥، ٢٥٧٠) وابن خزيمة (٢٤٥٦) وابن حبان (٣٣٤٩) والحاكم (١/ ٤١٦، ٢/ ١١٣) من طريق ربعي بن حراش عن يزيد بن ظبيان عن أبي ذر ﵁ مرفوعًا. ويزيد هذا مجهول. وقد روي من طريق آخر عن ربعي عن أبي ذر من غير واسطة، وعن ربعي عن ابن مسعود، والمحفوظ هو الأول كما قرره البخاري والترمذي والدارقطني، ينظر: "العلل الكبير" (٦٢٧) و"الجامع" (٢٥٦٧، ٢٥٦٨) كلاهما للترمذي، و"علل الدارقطني" (١١٠٣).
  2. (٢) "منه" ساقط من ش.
  3. (٣) يشير إلى حديث نعيم بن همَّار الذي أخرجه سعيد بن منصور (٢٥٦٦ - نشرة الأعظمي) وأحمد (٢٢٤٧٦) وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (١٢٧٧) وفي "الجهاد" (٢٢٨) والنسائي في "الكبرى" (٤٦٦) وغيرهم. صححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٦/ ١٢٤)، وينظر: "علل ابن أبي حاتم" (٩٧٦) وتعليق محققي "مسند أحمد".
  4. (٤) كذا في جميع النسخ إلا ع التي أصلح فيها. وانظر ما سبق في (ص ٢٢٢) من قوله: "تنفع الآيات والإنذار لمن صدق بالوعيد".
339

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي