مدارج السالكين

ويضحك إلى من أخفى الصّدقةَ عن أصحابه لسائلٍ اعتراهم فلم يعطُوه، فتخلَّف بأعقابهم، وأعطاه سرًّا حيث لا يراه إلّا الله تعالى والذي أعطاه١؛ فهذا الضَّحِك منه٢ حبًّا له وفرحًا به. وكذلك الشّهيدُ حين يلقاه يوم القيامة، فيضحك إليه فرحًا به وبقدومه عليه٣.

وليس في إثبات هذه الصِّفات محذورٌ البتّة، فإنّه فرَحٌ ليس كمثله شيءٌ، وضَحِكٌ ليس كمثله شيءٌ، وحكمُه حكمُ رضاه ومحبّته وإرادته وسائر صفاته. فالباب بابٌ واحدٌ، لا تمثيل ولا تعطيل.

وليس ما يُلزِمُ به المعطِّلُ للمثبِت٤ إلّا ظلمٌ محضٌ وتناقضٌ وتلاعبٌ،

  1. (١) يشير إلى حديث أبي ذر ﵁ الذي أخرجه أحمد (٢١٣٥٥) والترمذي (٢٥٦٨) والنسائي في "المجتبى" (١٦١٥، ٢٥٧٠) وابن خزيمة (٢٤٥٦) وابن حبان (٣٣٤٩) والحاكم (١/ ٤١٦، ٢/ ١١٣) من طريق ربعي بن حراش عن يزيد بن ظبيان عن أبي ذر ﵁ مرفوعًا. ويزيد هذا مجهول. وقد روي من طريق آخر عن ربعي عن أبي ذر من غير واسطة، وعن ربعي عن ابن مسعود، والمحفوظ هو الأول كما قرره البخاري والترمذي والدارقطني، ينظر: "العلل الكبير" (٦٢٧) و"الجامع" (٢٥٦٧، ٢٥٦٨) كلاهما للترمذي، و"علل الدارقطني" (١١٠٣).
  2. (٢) "منه" ساقط من ش.
  3. (٣) يشير إلى حديث نعيم بن همَّار الذي أخرجه سعيد بن منصور (٢٥٦٦ - نشرة الأعظمي) وأحمد (٢٢٤٧٦) وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (١٢٧٧) وفي "الجهاد" (٢٢٨) والنسائي في "الكبرى" (٤٦٦) وغيرهم. صححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٦/ ١٢٤)، وينظر: "علل ابن أبي حاتم" (٩٧٦) وتعليق محققي "مسند أحمد".
  4. (٤) كذا في جميع النسخ إلا ع التي أصلح فيها. وانظر ما سبق في (ص ٢٢٢) من قوله: "تنفع الآيات والإنذار لمن صدق بالوعيد".
339

فإنَّ هذا لو كان لازمًا للزم رحمتَه وإرادتَه ومشيئتَه وسمعَه وبصرَه وعلمَه وسائرَ صفاته، فكيف جاء هذا اللُّزومُ لهذه الصِّفة دون الأخرى؟ وهل يجد ذو عقلٍ إلى الفرق سبيلًا؟ فما ثمَّ إلّا التّعطيلُ المحضُ المطلَق، أو الإثباتُ المطلَقُ لكلِّ ما ورد به النَّصُّ؛ والتّناقضُ لا يرضاه المحصِّلون.

فصل

قوله: (الثّاني: أن يقيمَ على عبده حجّةَ عدله، فيعاقبَه على ذنبه بحجَّته)١.

اعترافُ العبد بقيام حجّة الله عليه من لوازم الإيمان، أطاع أم عصى؛ فإنَّ حجّةَ الله قامت على العبد بإرسال الرَّسول وإنزال الكتاب، وبلوغِ ذلك إليه، وتمكُّنِه من العلم به، سواءً علِمَ أو جهل. فكلُّ من تمكَّن من معرفة ما أُمِر به ونُهِي عنه، فقصَّر عنه ولم يعرفه، فقد قامت عليه الحجّة. والله سبحانه لا يعذِّب أحدًا إلّا بعد قيام الحجّة عليه، فإذا عاقَبه على ذنبه عاقَبه بحجَّتِه على ظلمه.

قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].

وقال: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ٨ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الملك: ٨ - ٩].

وقال: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧]. وفي الآية قولان. أحدهما: ما كان لِيُهلكها بظلمٍ منهم. والثَّاني: ما كان

  1. (١) سبق الأول في (ص ٣١٩).
340

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي