فالكلمةُ التي حقَّت كلمتان: كلمةُ الإضلال، وكلمةُ العذاب، كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾[الزمر: ٧١]. وكلمتُه سبحانه إنَّما حقَّت عليهم بالعذاب بسبب كفرهم، فحقَّت عليهم كلمةُ حجَّتِه، وكلمةُ عدله بعقوبته.
وحاصلُ هذا كلِّه أنَّ الله سبحانه أمرَ العبادَ أن يكونوا مع مراده الدِّينيِّ منهم، لا مع مراد أنفسهم. فأهلُ طاعته آثروا اللهَ ومرادَه على مرادهم، فاستحقُّوا كرامتَه. وأهلُ معصيته آثروا مرادَهم على مراده، وعلِمَ سبحانه منهم أنّهم لا يؤثرون مراده البتّة، وإنّما يؤثرون أهواءهم١ ومرادهم، فأمَرهم ونهاهم، فظهر بأمره ونهيه من القدَر الذي قُدِّر عليهم من إيثارهم هوى أنفسهم ومرادَهم على مرضاة ربِّهم ومرادِه، فقامت عليهم بالمعصية حجَّةُ عدله، فعاقَبهم بظلمهم.
فصل
قد ذكرنا أنَّ العبدَ في الذّنب له نظرٌ إلى أربعة أمورٍ: نظرٌ إلى الأمر والنّهي، ونظرٌ إلى الحكم والقضاء، وذكرنا ما يتعلَّق بهذين النّظرين٢.
النّظر الثّالث: النّظرُ إلى محلِّ الجناية ومصدرها، وهو النَّفسُ الأمَّارةُ
(١) ش: "هواهم".
(٢) كذا قال! ونسي أنه ذكر من قبل (ص ٣٢٠) أنَّ صاحب البصيرة إذا صدرت منه الخطيئة نظر إلى خمسة أمور، ثم ذكر ثلاثة منها.
بالسُّوء. ويفيده نظرُه إليها أمورًا:
منها: أنَّها جاهلةٌ ظالمةٌ، وأنَّ الجهلَ والظُّلمَ يصدر عنهما كلُّ قولٍ وعملٍ قبيحٍ، ومَن وصفُه١ الجهلُ والظُّلمُ لا مطمعَ في استقامته واعتداله البتّة. فيوجب له ذلك بذلَ الجهد في العلم النّافع الذي يُخرِجُها به عن وصف الجهل، والعملِ الصَّالحِ الذي يُخرِجُها به عن وصف الظُّلم. ومع هذا فجهلُها أكثرُ من علمها، وظلمُها أعظمُ من عدلها. فحقيقٌ بمن هذا شأنه: أن يرغب إلى خالقها وفاطرها أن يقيَه شرَّها، وأن يؤتيها تقواها ويزكِّيها، فهو خيرُ من زكّاها، فإنّه وليُّها ومولاها، وأن لا يكِلَه إليها طرفةَ عينٍ. فإن وَكلَه إليها هلَكَ، فما هلَكَ مَن هلَك إلّا حيث وُكِلَ إلى نفسه.
وقال النّبيُّ ﷺ لحُصَين بن المنذر٢: "قل: اللهمَّ أَلْهِمْني رُشدي، وقِني شرَّ نفسي"٣. وفي خطبة الحاجة٤: "الحمد لله، نستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيِّئات٥ أعمالنا". وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ
(١) ل: "صفته".
(٢) كذا سمَّاه المؤلف هنا ومن قبل (ص ٦٩) وهو حصين بن عبيد، كما تقدَّم.
(٣) تقدم تخريجه (ص ٦٩).
(٤) أخرجه أحمد (٣٧٢٠، ٤١١٥) وأبو داود (٢١١٨) والترمذي (١١٠٥) والنسائي في "الكبرى" (١٧٢١، ٥٥٠٢، ٥٥٠٣، ١٠٢٤٩ - ١٠٢٥١) وابن ماجه (١٨٩٢) وغيرهم من طرق يعضد بعضها بعضًا عن عبد الله بن مسعود ﵁. والحديث حسَّنه الترمذي، وصححه أبو عوانة في "المستخرج" (٤٥٨٠ - ط. الجامعة الإسلامية) والحاكم (٢/ ١٨٢) والألباني في "صحيح أبي داود - الأم" (٦/ ٣٤٥) وفي رسالته النافعة "خطبة الحاجة التي كان رسول الله ﷺ يُعلِّمها أصحابه".