منها: أنَّها جاهلةٌ ظالمةٌ، وأنَّ الجهلَ والظُّلمَ يصدر عنهما كلُّ قولٍ وعملٍ قبيحٍ، ومَن وصفُه١ الجهلُ والظُّلمُ لا مطمعَ في استقامته واعتداله البتّة. فيوجب له ذلك بذلَ الجهد في العلم النّافع الذي يُخرِجُها به عن وصف الجهل، والعملِ الصَّالحِ الذي يُخرِجُها به عن وصف الظُّلم. ومع هذا فجهلُها أكثرُ من علمها، وظلمُها أعظمُ من عدلها. فحقيقٌ بمن هذا شأنه: أن يرغب إلى خالقها وفاطرها أن يقيَه شرَّها، وأن يؤتيها تقواها ويزكِّيها، فهو خيرُ من زكّاها، فإنّه وليُّها ومولاها، وأن لا يكِلَه إليها طرفةَ عينٍ. فإن وَكلَه إليها هلَكَ، فما هلَكَ مَن هلَك إلّا حيث وُكِلَ إلى نفسه.
وقال النّبيُّ ﷺ لحُصَين بن المنذر٢: "قل: اللهمَّ أَلْهِمْني رُشدي، وقِني شرَّ نفسي"٣. وفي خطبة الحاجة٤: "الحمد لله، نستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيِّئات٥ أعمالنا". وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ
(١) ل: "صفته".
(٢) كذا سمَّاه المؤلف هنا ومن قبل (ص ٦٩) وهو حصين بن عبيد، كما تقدَّم.
(٣) تقدم تخريجه (ص ٦٩).
(٤) أخرجه أحمد (٣٧٢٠، ٤١١٥) وأبو داود (٢١١٨) والترمذي (١١٠٥) والنسائي في "الكبرى" (١٧٢١، ٥٥٠٢، ٥٥٠٣، ١٠٢٤٩ - ١٠٢٥١) وابن ماجه (١٨٩٢) وغيرهم من طرق يعضد بعضها بعضًا عن عبد الله بن مسعود ﵁. والحديث حسَّنه الترمذي، وصححه أبو عوانة في "المستخرج" (٤٥٨٠ - ط. الجامعة الإسلامية) والحاكم (٢/ ١٨٢) والألباني في "صحيح أبي داود - الأم" (٦/ ٣٤٥) وفي رسالته النافعة "خطبة الحاجة التي كان رسول الله ﷺ يُعلِّمها أصحابه".
فمن عرَفَ حقيقةَ نفسه وما طُبِعت عليه علِمَ أنّها منبعُ كلِّ شرٍّ ومأوى كلِّ سوءٍ، وأنَّ كلَّ خيرٍ فيها ففضلٌ١ من الله منَّ به عليها، لم يكن منها، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾[النور: ٢١]. وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾[الحجرات: ٧]. فهذا الحبُّ وهذه الكراهةُ لم يكونا في النّفس ولا بها، ولكنَّ الله هو الذي منَّ بهما، فجعَلَ العبدَ بسببهما من الرّاشدين ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾[الحجرات: ٨]: عليمٌ بمن يصلُح لهذا الفضل ويزكو عليه ويثمر عنده، حكيمٌ فلا يضَعُه عند غير أهله، فيضيِّعه بوضعه في غير موضعه.
ومنها: ما ذكره صاحب "المنازل"، فقال٢: (اللَّطيفة الثَّانية: أن يعلم أنَّ نظرَ البصير الصَّادق في سيِّئته لم يُبْقِ له حسنةً بحالٍ، لأنّه يسير بين مشاهدة المنّة، وتطلُّبِ عيبِ النَّفس والعمل).
يريد: أنَّ من له بصيرةٌ بنفسه، وبصيرةٌ بحقوق الله تعالى، وهو صادقٌ في طلبه، لم يُبقِ له نظرُه في سيِّئاته حسنةً البتّة، فلا يلقى الله إلَّا بالإفلاس المحض والفقر الصِّرف. لأنّه إذا فتَّشَ عن عيوب نفسه وعيوب عمله علِمَ