أنّها لا تصلُح لله، وأنَّ تلك البضاعةَ لا يُشترى بها النَّجاةُ من عذابه١، فضلًا عن الفوز بعظيم ثوابه. فإن خلَص له عملٌ وحالٌ مع الله، وصفا له معه وقتٌ، شاهَدَ منّةَ الله عليه به ومجرَّدَ فضله، وأنّه ليس من نفسه، ولا هي أهلٌ لذلك. فهو دائمًا٢ مشاهدٌ لمنّة الله عليه ولعيوب نفسه وعمله، لأنّه متى تطلَّبها رآها. وهذا من أجلِّ أنواع المعارف وأنفعها للعبد.
ولذلك كان سيِّد الاستغفار: "اللهمَّ أنت ربِّي لا إله إلّا أنتَ، خلقتَني، وأنا عبدُك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعتُ، أعوذ بك من شرِّ ما صنعتُ، أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، إنّه لا يغفر الذُّنوب إلّا أنت"٣.
فتضمَّن هذا الاستغفارُ الاعترافَ٤ من العبد بربوبيَّته وإلهيَّته وتوحيده، والاعترافَ بأنّه خالقه العالمُ به، إذ أنشأه نشأةً تستلزم عجزَه عن أداء حقِّه وتقصيرَه فيه، والاعترافَ بأنّه عبدُه الذي ناصيته بيده وفي قبضته، لا مهربَ له منه، ولا وليَّ له سواه. ثمّ التزامَ الدُّخول تحت عهده ــ وهو أمره ونهيه ــ الذي عهِدَه إليه على لسان رسله٥. وأنَّ ذلك بحسب استطاعتي، لا بحسب أداء حقِّك فإنّه غيرُ مقدورٍ للبشر، وإنّما هو جهدُ المقلِّ وقدرُ الطّاقة؛ ومع ذلك فأنا مصدِّقٌ بوعدك الذي وعدتَه لأهل طاعتك بالثّواب ولأهل معصيتك
(١) ع: "عذاب الله"، وكذا "ثواب الله" فيما يأتي.
(٢) ما عدا ع: "دائم".
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) ع: "والاعتراف" وهو خطأ.
(٥) ع: "رسوله".
بالعقاب، فأنا مقيمٌ على عهدك، مصدِّقٌ بوعدك. ثمّ الاستعاذة والاعتصام بك١ من شرِّ ما فرّطتُ فيه من أمرك ونهيك، فإنّك إن لم تُعِذْني من شرِّه، وإلّا٢ أحاطت بي الهلكة، فإنَّ إضاعةَ حقِّك سببُ الهلاك. وأنا أُقِرُّ لك وألتزمُ بنعمتك عليَّ، وأُقِرُّ وألتزمُ وأبخَعُ بذنبي، فمنك النِّعمةُ والإحسانُ والفضلُ، ومنِّي الذَّنبُ والإساءةُ. فأسألك أن تغفر لي بمحو ذنبي، وأن تَقِيَني من شرِّه، إنّه لا يغفر الذُّنوب إلّا أنت. فلهذا كان هذا الدُّعاء سيِّد الاستغفار، إذ هو٣ متضمِّنٌ لمحض العبوديّة٤.
فأيُّ حسنةٍ تبقى للبصير الصّادق، مع مشاهدته عيوبَ نفسه وعمله، ومنّةَ الله عليه؟ فهذا الذي يعطيه نظرُه إلى نفسه ونقصه.
فصل
النّظر الرّابع: نظرُه إلى الآمرِ له بالمعصية، المزيِّنِ له فعلَها، الحاضِّ٥ له عليها، وهو شيطانُه الموكَّلُ به.
فيفيده النّظرُ إليه وملاحظتُه اتِّخاذَه عدوًّا، وكمالَ الاحتراز منه والتّحفُّظ واليقظة والانتباهَ لما يريده منه عدوُّه وهو لا يشعر، فإنّه يريد أن يظفر به في
(١) ج، م، ش: "به"، وكذا كان في ق، ل ثم أصلح.
(٢) وقعت "وإلا" هنا في غير موقعها ولا يستقيم المعنى إلا بحذفها، وقد تكرر مثل هذا التركيب في كتب المؤلف وشيخه وغيرهما في ذلك العهد. انظر ما علَّقت في "طريق الهجرتين" (١/ ٤٤)، و"الداء والدواء" (ص ٢٠٩).
(٣) ع: "وهو".
(٤) وانظر في شرح سيد الاستغفار: "طريق الهجرتين" (١/ ٣٥٧ - ٣٥٩).