مدارج السالكين

بالعقاب، فأنا مقيمٌ على عهدك، مصدِّقٌ بوعدك. ثمّ الاستعاذة والاعتصام بك١ من شرِّ ما فرّطتُ فيه من أمرك ونهيك، فإنّك إن لم تُعِذْني من شرِّه، وإلّا٢ أحاطت بي الهلكة، فإنَّ إضاعةَ حقِّك سببُ الهلاك. وأنا أُقِرُّ لك وألتزمُ بنعمتك عليَّ، وأُقِرُّ وألتزمُ وأبخَعُ بذنبي، فمنك النِّعمةُ والإحسانُ والفضلُ، ومنِّي الذَّنبُ والإساءةُ. فأسألك أن تغفر لي بمحو ذنبي، وأن تَقِيَني من شرِّه، إنّه لا يغفر الذُّنوب إلّا أنت. فلهذا كان هذا الدُّعاء سيِّد الاستغفار، إذ هو٣ متضمِّنٌ لمحض العبوديّة٤.

فأيُّ حسنةٍ تبقى للبصير الصّادق، مع مشاهدته عيوبَ نفسه وعمله، ومنّةَ الله عليه؟ فهذا الذي يعطيه نظرُه إلى نفسه ونقصه.

فصل

النّظر الرّابع: نظرُه إلى الآمرِ له بالمعصية، المزيِّنِ له فعلَها، الحاضِّ٥ له عليها، وهو شيطانُه الموكَّلُ به.

فيفيده النّظرُ إليه وملاحظتُه اتِّخاذَه عدوًّا، وكمالَ الاحتراز منه والتّحفُّظ واليقظة والانتباهَ لما يريده منه عدوُّه وهو لا يشعر، فإنّه يريد أن يظفر به في

  1. (١) ج، م، ش: "به"، وكذا كان في ق، ل ثم أصلح.
  2. (٢) وقعت "وإلا" هنا في غير موقعها ولا يستقيم المعنى إلا بحذفها، وقد تكرر مثل هذا التركيب في كتب المؤلف وشيخه وغيرهما في ذلك العهد. انظر ما علَّقت في "طريق الهجرتين" (١/ ٤٤)، و"الداء والدواء" (ص ٢٠٩).
  3. (٣) ع: "وهو".
  4. (٤) وانظر في شرح سيد الاستغفار: "طريق الهجرتين" (١/ ٣٥٧ - ٣٥٩).
  5. (٥) رسمه في ق، ج، م، ع بالظاء!
347

عقَبةٍ من سبع عقَباتٍ، بعضُها أصعب من بعضٍ، لا ينزل منه من العقبة الشَّاقَّة إلى ما دونها١ إلّا إذا عجَز عن الظّفر به فيها.

العقبة الأولى: عقبةُ الكفر بالله وبدينه ولقائه وصفات كماله وما أخبرت به رسلُه عنه، فإنّه إن ظفِر به في هذه العقَبة بردت نارُ عداوته واستراح معه. فإن اقتحَمَ هذه العقَبةَ، ونجا منها ببصيرة الهداية، وسلِم معه نورُ الإيمان= طلَبه على:

العقبة الثّانية: وهي عقبة البدعة، إمَّا باعتقاد خلافِ الحقِّ الذي أرسل الله به رسولَه وأنزل به كتابَه، وإمّا بالتّعبدِ بما لم يأذن به٢ من الأوضاع والرُّسوم المحدثة في الدِّين التي لا يقبل الله منها شيئًا. والبدعتان في الغالب متلازمتان، قلَّ أن تنفكَّ إحداهما عن الأخرى، كما قال بعضهم: تزوّجت بدعةُ الأقوال ببدعة الأعمال، فاشتغل الزَّوجان بالعُرس، فلم يفجَأهم إلّا أولادُ الزِّنا يعيثون في بلاد الإسلام، تضجُّ منهم العباد والبلاد إلى الله تعالى٣.

وقال شيخنا ﵀: تزوّجت الحقيقةُ الكافرةُ بالبدعة الفاجرة، فوُلد٤ بينهما خسرانُ الدُّنيا والآخرة.

فإن قطع العبدُ٥ هذه العقَبةَ، وخلَص منها بنور السُّنَّة، واعتصَم منها

  1. (١) ما عدا ع: "دون ما دونها".
  2. (٢) ما عدا ق، ل: "به الله".
  3. (٣) لم أقف عليه.
  4. (٤) ع: "فتولَّد".
  5. (٥) لم ترد كلمة "العبد" في ع.
348

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي