مدارج السالكين

عقَبةٍ من سبع عقَباتٍ، بعضُها أصعب من بعضٍ، لا ينزل منه من العقبة الشَّاقَّة إلى ما دونها١ إلّا إذا عجَز عن الظّفر به فيها.

العقبة الأولى: عقبةُ الكفر بالله وبدينه ولقائه وصفات كماله وما أخبرت به رسلُه عنه، فإنّه إن ظفِر به في هذه العقَبة بردت نارُ عداوته واستراح معه. فإن اقتحَمَ هذه العقَبةَ، ونجا منها ببصيرة الهداية، وسلِم معه نورُ الإيمان= طلَبه على:

العقبة الثّانية: وهي عقبة البدعة، إمَّا باعتقاد خلافِ الحقِّ الذي أرسل الله به رسولَه وأنزل به كتابَه، وإمّا بالتّعبدِ بما لم يأذن به٢ من الأوضاع والرُّسوم المحدثة في الدِّين التي لا يقبل الله منها شيئًا. والبدعتان في الغالب متلازمتان، قلَّ أن تنفكَّ إحداهما عن الأخرى، كما قال بعضهم: تزوّجت بدعةُ الأقوال ببدعة الأعمال، فاشتغل الزَّوجان بالعُرس، فلم يفجَأهم إلّا أولادُ الزِّنا يعيثون في بلاد الإسلام، تضجُّ منهم العباد والبلاد إلى الله تعالى٣.

وقال شيخنا ﵀: تزوّجت الحقيقةُ الكافرةُ بالبدعة الفاجرة، فوُلد٤ بينهما خسرانُ الدُّنيا والآخرة.

فإن قطع العبدُ٥ هذه العقَبةَ، وخلَص منها بنور السُّنَّة، واعتصَم منها

  1. (١) ما عدا ع: "دون ما دونها".
  2. (٢) ما عدا ق، ل: "به الله".
  3. (٣) لم أقف عليه.
  4. (٤) ع: "فتولَّد".
  5. (٥) لم ترد كلمة "العبد" في ع.
348

بحقيقة المتابعة وما مضى عليه السّلفُ الأخيارُ من الصّحابة والتّابعين لهم بإحسانٍ، وهيهات أن تسمح الأعصارُ المتأخِّرةُ بواحدٍ من هذا الضّرب! فإن سمحَتْ به نصَب له أهلُ البدع الحبائلَ، وبغَوه الغوائلَ، وقالوا: مبتدعٌ مُحْدِثٌ= فإذا وفَّقه الله لقطع هذه العقبة طلبَه على:

العقبة الثَّالثة: وهي عقبةُ الكبائر. فإن ظفِر به فيها زيَّنها له، وحسَّنها في عينه، وسوَّفَ به وفتَح له بابَ الإرجاء وأنَّ الإيمانَ هو نفسُ التّصديق فلا تقدَح فيه الأعمالُ. وربَّما أجرى على لسانه وأذنه كلمةً طالما أهلَكَ١ بها الخلقَ: لا يضرُّ مع التّوحيد ذنبٌ، كما لا ينفع مع الشِّرك حسنةٌ!٢.

والظفرُ به في عقَبة البدعة أحبُّ إليه لمناقضِتها الدِّين ودفعِها لما بعث الله به رسولَه، وصاحبُها لا يتوب منها٣، ويدعو الخلقَ إليها؛ ولتضمُّنها القولَ على الله بلا علمٍ، ومعاداةَ صريح السُّنّة، ومعاداةَ أهلها، والاجتهادَ على إطفاء نور السُّنّة، وتوليةَ مَن عزَلَه الله ورسوله وعَزْلَ من ولّاه، واعتبارَ ما ردَّه الله ورسوله وردَّ ما اعتبره، وموالاةَ من عاداه ومعاداةَ من والاه٤، وإثباتَ ما نفاه ونفيَ ما أثبته، وتكذيبَ الصّادق وتصديقَ الكاذب، ومعارضةَ الحقِّ بالباطل، وقلبَ الحقائق بجعل الحقِّ باطلًا، والباطلِ حقًّا، والإلحادَ في دين الله، وتعميةَ الحقِّ على القلوب، وطلبَ العوج لصراط الله المستقيم، وفتحَ

  1. (١) ج: "أضلَّ".
  2. (٢) نسبه ابن حزم في "الفصل" (٥/ ٧٤) إلى مقاتل بن سليمان. وانظر: "كتاب الإيمان" لابن تيمية (ص ١٤٥).
  3. (٣) في ع بعده زيادة: "ولا يرجع عنها".
  4. (٤) ع: "والاه الله".
349

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي