بالمفضول عن الفاضل، وبالمرجوح عن الرَّاجح، وبالمحبوب لله عن الأحبِّ إليه، وبالمرضيِّ عن الأرضى له.
ولكن أين أصحاب هذه العَقَبة! فهم الأفراد في العالم، والأكثرون قد ظفر بهم في العقَبات الأُوَل.
فإن نجا منها بفقهٍ في الأعمال ومراتبها عند الله تعالى، ومنازلِها في الفضل، ومعرفةِ مقاديرها، والتَّمييزِ بين عاليها وسافلِها، ومفضولِها وفاضلِها، ورئيسِها ومرؤوسها، وسيِّدِها ومسودها؛ فإنَّ في الأعمال والأقوال سيِّدًا ومسودًا، ورئيسًا ومرؤوسًا، وذروةً وما دونها، كما في الحديث الصّحيح: "سيِّد الاستغفار أن يقول العبد١: اللهمَّ أنتَ ربِّي" الحديث٢، وفي الحديث الآخر: "الجهادُ ذِروةُ سَنامِ الأمر"٣، وفي أثرٍ آخر٤: أنّ الأعمال تفاخرت، فذكر كلُّ عملٍ منها مرتبته وفضله، وكان للصَّدَقة مزيّةٌ في الفخر عليهنّ٥.
(١) "العبد" ساقط من ش، وفيها: "أن تقول".
(٢) تقدَّم تخريجه.
(٣) جزء من حديث معاذ بن جبل ﵁ المشهور "أخبرني بعمل يدخلني الجنة ... "، أخرجه أحمد (٢٢٠١٦، ٢٢٠٦٨) والترمذي (٢٦١٦) والنسائي في "الكبرى" (١١٣٣٠) وابن ماجه (٣٩٧٣) وغيرهم بأسانيد فيها انقطاع بين معاذ بن جبل والرواة عنه. والحديث صححه الترمذي والحاكم (٢/ ٧٦، ٤١٣)، وكذلك الألباني بمجموع طرقه وشواهده في "إرواء الغليل" (٤١٣).
(٤) ع: "الأثر الآخر".
(٥) يشير إلى ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: "ذُكر أنَّ الأعمال الصالحة تتباهى، فتقول الصدقة: أنا أفضلكم". نقله المؤلف في "عدة الصابرين" (ص ٤٨٦). والأثر أخرجه إسحاق (٩٥٢ - المطالب العالية) وابن خزيمة (٢٤٣٣) والحاكم (١/ ٤١٦) والبيهقي في "شعب الإيمان" (٣٠٥٨)، وفي إسناده أبو قرة الأسدي وهو مجهول.
ولا يقطع هذه العقبةَ إلّا أهلُ البصائر والصِّدق من أولي العلم١.
= فإذا نجا منها لم يبق هناك عقَبةٌ يطلبه العدوُّ عليها سوى واحدةٍ لا بدَّ له منها، ولو نجا منها أحدٌ لنجا منها رسلُ الله وأنبياؤه وأكرمُ الخلق عليه. وهي عقَبةُ تسليطِ جندِه عليه بأنواع الأذى باليد واللِّسان والقلب، على حسب مرتبته في الخير. فكلَّما علَتْ مرتبتُه أجلَبَ عليه بخيله ورَجْله، وظاهَرَ عليه بجنده، وسلَّطَ عليه حزبَه وأهلَه بأنواع التَّسليط. وهذه العقَبةُ لا حيلة له في التّخلُّص منها، فإنّه كلَّما جدَّ في الاستقامة والدَّعوة إلى الله تعالى والقيام بأمره، جدَّ العدوُّ في إغراء السُّفهاء به، فهو في هذه العقبة قد لبِس لَأْمةَ الحرب، وأخذ في محاربة العدوِّ لله وبالله. فعبوديّتُه فيها عبوديّةُ خواصِّ العارفين، وهي تسمّى "عبوديّة المراغمة"، ولا ينتبه لها إلّا أولو البصائر التّامَّة. ولا شيءَ أحبُّ إلى الله من مراغمةِ وليِّه لعدوِّه وإغاظتِه له.
وقد أشار ﷾ إلى هذه العبوديّة في مواضع من كتابه. أحدها: قوله: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾[النساء: ١٠٠]. سمَّى المهاجَرَ الذي يهاجَر فيه إلى عبادة الله٢ "مراغَمًا" لأنه يُراغَم به عدوُّ الله وعدوُّه، واللهُ يحبُّ من وليِّه مراغمةَ عدوِّه وإغاظته، كما قال تعالى:
(١) بعده في ع زيادة: "السّائرين على جادَّة التّوفيق، قد أنزلوا الأعمالَ منازلها، وأعطَوا كلَّ ذي حقٍّ حقَّه". وقد أشير في بدايتها ونهايتها إلى أنها لم ترد في الأصل.
(٢) ما عدا ع: "عبادة"، فلم يرد لفظ الجلالة في سائر النسخ.