المراغمة. ولأجل هذه المراغمة حُمِد التَّبختُرُ بين الصَّفَّين، والخيلاءُ والتَّبخترُ عند صدقة السِّرِّ حيث لا يراه إلّا الله تعالى١؛ لما في ذلك من إرغام العدوِّ ببذل محبوبه من نفسه وماله لله. وهذا بابٌ من العبوديّة، ولا يعرفُه ويسلكُه٢ إلّا القليلُ من النّاس. ومن ذاق لذَّتَه وطعمَه٣ بكى على أيّامه الأُوَل. وبالله المستعان، وعليه التُّكلان، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله.
وصاحبُ هذا المقام إذا نظر إلى الشَّيطان، ولاحظَه في الذَّنب، راغَمَه بالتَّوبة النَّصوح، فأحدثت له هذه المراغمةُ عبوديّةً أخرى.
فهذه نبذةٌ من بعض لطائف أسرار التّوبة، لا تَسْتَهِنْ بها، فلعلّك لا تظفر بها في مصنّفٍ البتّة. ولله الحمد والمنَّة، وبه التَّوفيق.
فصل
قال صاحب "المنازل"٤: (اللّطيفة الثّالثة: أنَّ مشاهدةَ العبدِ الحكمَ لم تدَعْ له استحسانَ حسنةٍ ولا استقباحَ سيِّئةٍ، لصعوده من جميع المعاني إلى معنى الحكم).
(١) يشير إلى حديث جابر بن عتيك ﵁. أخرجه أحمد (٢٣٧٤٧، ٢٣٧٤٨، ٢٣٧٥٠، ٢٣٧٥٢) وأبو داود (٢٦٥٩) والنسائي في "الكبرى" (٢٣٥٠) وفي "المجتبى" (٢٥٥٨) وابن حبان (٢٩٥، ٤٧٦٢) والبيهقي (٧/ ٣٠٨) وغيرهم من طرق يعضد بعضها بعضًا، والحديث حسَّنه الألباني في "إرواء الغليل" (١٩٩٩) و"صحيح أبي داود- الأم" (٧/ ٤١١).
(٢) معطوف على "يعرفه"، يعني: ولا يسلكه.
(٣) ع: "طعمه ولذته".
(٤) "منازل السائرين" (ص ١١).
هذا الكلام إن أُخِذَ على ظاهره فهو من أبطل الباطل، الذي لولا إحسانُ الظّنِّ بقائله١ ومعرفةُ قدره من الإمامة والعلم والدِّين لَنُسِبَ إلى لازم هذا الكلام. ولكن مَن عدا المعصوم فمأخوذٌ من قوله٢ ومتروكٌ. ومن ذا الذي لم تزِلَّ به القدمُ ولم يَكْبُ به الجوادُ!
ومعنى هذا أنَّ العبدَ ما دام في مقام التَّفرقة، فإنّه يَستحسِنُ بعض الأفعال ويَستقبِح بعضَها نظرًا إلى ذواتها٣ وما افترقت فيه، فإذا تجاوزها نظرُه إلى مصدرها الأوّل، وصدورها عن عَينِ الحكم، واجتماعها كلِّها في تلك العين، وانسحابِ ذيل المشيئة عليها، ووحدةِ المصدر ــ وهو المشيئة الشَّاملة العامَّة الموجِبة ــ فهي بالنِّسبة إلى مصدرِ الحكم وعينِ المشيئة لا توصف بحسنٍ ولا قبحٍ، إذ الحسنُ والقبحُ إنّما عرَضَا لها عند قيامها بالكون وجرَيانها عليه. فهي بمنزلة نور الشّمس: واحدٌ في نفسه، غيرُ متلوِّنٍ ولا موصوفٍ بحمرةٍ ولا صفرةٍ ولا خضرةٍ، فإذا اتّصلَ بالمحالِّ المتلوِّنة وُصِفَ حينئذٍ بحسب تلك المحالِّ، لإضافته إليها واتِّصاله بها، فيُرى أحمر وأصفر وأخضر. وهو بريءٌ من ذلك كلِّه إذا صَعِد من تلك المحالِّ إلى مصدره الأوّل المجرَّد عن القوابل. فهذا أحسَنُ ما يُحمَل عليه كلامُه.
على أنّ له محملًا آخر مبني٤ على أصولٍ فاسدةٍ، وهي أنَّ إرادةَ الرَّبِّ تعالى هي عينُ محبّته ورضاه، فكلُّ ما شاءه فقد أحبَّه ورَضِيَه، وكلُّ ما لم