مدارج السالكين

هذا الكلام إن أُخِذَ على ظاهره فهو من أبطل الباطل، الذي لولا إحسانُ الظّنِّ بقائله١ ومعرفةُ قدره من الإمامة والعلم والدِّين لَنُسِبَ إلى لازم هذا الكلام. ولكن مَن عدا المعصوم فمأخوذٌ من قوله٢ ومتروكٌ. ومن ذا الذي لم تزِلَّ به القدمُ ولم يَكْبُ به الجوادُ!

ومعنى هذا أنَّ العبدَ ما دام في مقام التَّفرقة، فإنّه يَستحسِنُ بعض الأفعال ويَستقبِح بعضَها نظرًا إلى ذواتها٣ وما افترقت فيه، فإذا تجاوزها نظرُه إلى مصدرها الأوّل، وصدورها عن عَينِ الحكم، واجتماعها كلِّها في تلك العين، وانسحابِ ذيل المشيئة عليها، ووحدةِ المصدر ــ وهو المشيئة الشَّاملة العامَّة الموجِبة ــ فهي بالنِّسبة إلى مصدرِ الحكم وعينِ المشيئة لا توصف بحسنٍ ولا قبحٍ، إذ الحسنُ والقبحُ إنّما عرَضَا لها عند قيامها بالكون وجرَيانها عليه. فهي بمنزلة نور الشّمس: واحدٌ في نفسه، غيرُ متلوِّنٍ ولا موصوفٍ بحمرةٍ ولا صفرةٍ ولا خضرةٍ، فإذا اتّصلَ بالمحالِّ المتلوِّنة وُصِفَ حينئذٍ بحسب تلك المحالِّ، لإضافته إليها واتِّصاله بها، فيُرى أحمر وأصفر وأخضر. وهو بريءٌ من ذلك كلِّه إذا صَعِد من تلك المحالِّ إلى مصدره الأوّل المجرَّد عن القوابل. فهذا أحسَنُ ما يُحمَل عليه كلامُه.

على أنّ له محملًا آخر مبني٤ على أصولٍ فاسدةٍ، وهي أنَّ إرادةَ الرَّبِّ تعالى هي عينُ محبّته ورضاه، فكلُّ ما شاءه فقد أحبَّه ورَضِيَه، وكلُّ ما لم

  1. (١) ع: "بصاحبه وقائله".
  2. (٢) ج: "كلامه".
  3. (٣) ش: "ذاتها".
  4. (٤) كذا في جميع النسخ: "مبني" بالرفع.
356

يشأه فهو مسخوطٌ له مبغوضٌ. فالمبغوضُ المسخوطُ هو ما لم يشأه، والمحبوبُ المرضيُّ هو ما شاءه.

هذا أصلُ القدريَّةِ الجبريَّةِ المنكرين للحِكَم والتَّعليلِ والأسبابِ وتحسينِ العقل وتقبيحِه، وأنّ الأفعالَ كلَّها سواءٌ، لا يختصُّ بعضها بما صار حسنًا لأجله، وبعضها بما صار قبيحًا لأجله. وما ثَمَّ إلا محضُ الأمر والنهي، الذي حسُنَ البعضُ منها لأجله١، وقبُحَ البعضُ لأجله. ويجوز في العقل أن يأمرَ٢ بما نَهى عنه، وينهى عمّا أمَر به، ولا يكون ذلك مناقضًا للحكمة؛ إذ الحكمةُ ترجع عندهم إلى مطابقة العلمِ الأزليِّ لمعلومه، والإرادةِ الأزليَّة لِمرادها، والقدرةِ لمقدورها. فإذن الأفعالُ بالنِّسبة إلى المشيئة والإرادة مستويةٌ لا تُوصَف بحسنٍ ولا قبحٍ، فإذا تعلَّق بها الأمرُ والنَّهيُ صارت حينئذٍ حسنةً وقبيحةً، وليس حسنُها وقبحُها زائدًا على كونها مأمورًا بها ومنهيًّا عنها. فعلى هذا إذا صعِد العبدُ من تفرقة الأمر والنَّهي إلى جَمْعِ المشيئة والحُكم لم يستحسن حسنةً ولم يستقبح قبيحةً. فإذا نزل إلى٣ فَرْقِ الأمر صحَّ له الاستحسانُ والاستقباحُ.

فهذا٤ محملٌ ثانٍ لكلامه.

وله محملٌ ثالثٌ ــ وهو أبعدُ النّاس منه ولكن قد حُمِل عليه ــ وهو أنَّ السّالكَ ما دام محجوبًا عن شهود الحقيقة بشهود الطّاعة والمعصية، رأى

  1. (١) "وما ثَمَّ ... لأجله" ساقط من ع.
  2. (٢) يعني: الله سبحانه.
  3. (٣) "إلى" من ل، ج.
  4. (٤) ج: "وهذا".
357

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي