مدارج السالكين

الأمر إلى وحدة الحُكم يزيل عنه ثبوتَ المعصية.

وهذا عند القوم من الأسرار التي لا يستجيزون كشفَها إلّا لخواصِّهم، وأهلِ الوصول منهم. لكنّ صاحب "المنازل" بريءٌ من هؤلاء وطريقتهم، وهو مكفِّرٌ لهم، بل مخرجٌ لهم عن جملة الأديان. ولكن ذكرنا ذلك لأنّهم يحملون كلامَه عليه، ويظنُّونه منهم.

فاعلم أنَّ هذا مقامٌ عظيمٌ زلَّت فيه أقدامُ طائفتين من النّاس: طائفةٍ من أهل الكلام والنَّظر، وطائفةٍ من أهل السُّلوك والإرادة. فنفى لأجله كثيرٌ من النُّظَّار التَّحسينَ والتَّقبيحَ العقليَّين، وجعلوا الأفعالَ كلَّها سواءً في نفس الأمر، وأنّها غيرُ منقسمةٍ في ذواتها إلى حسَنٍ وقبيحٍ، ولا يميَّز القبيحُ بصفةٍ اقتضت قبحَه بحيث يكون هو منشأ١ القبح، وكذلك الحسَن. فليس الفعلُ عندهم منشأَ حسنٍ ولا قبحٍ، ولا مصلحةٍ ولا مفسدةٍ. ولا فرقَ بين السُّجود للشّيطان والسُّجود للرَّحمن في نفس الأمر، ولا بين الصِّدق والكذب، ولا بين السِّفاح والنِّكاح، إلّا أنَّ الشَّارعَ حرَّم هذا وأوجب هذا. فمعنى حسنه كونُه مأمورًا به، لا أنّه منشأ مصلحةٍ. ومعنى قبحه كونُه منهيًّا عنه، لا أنّه منشأ مفسدةٍ، ولا فيه صفةٌ اقتضت قبحَه٢.

  1. (١) ج: "بها". وفي ق، ل، م: "هنا"، والصواب ما أثبت من ش، ع، وكذا في هامش م بعلامة صح. وفي هامش ل: "لعله منشأ".
  2. (٢) بعده في الأصل: "ومعنى حسنه" كذا! فكتبت تكملته في هامشه على غرار العبارة السابقة: "أن الشارع أمر به لا أنه منشأ مصلحة ولا فيه صفة اقتضت حسنه". وكان في ل: "فمعنى حسنه كونه مأمورًا به لا أنه منشأ مصلحة وكونه منهيًّا عنه"، فضرب عليها من "حسنه" إلى "مصلحة و"، وكتب في الهامش: "قبحه صح" ليكون السياق: فمعنى قبحه كونه منهيًّا إلخ مع التكملة المذكورة في هامش الأصل وهي واردة في متن ل، ع. وما أثبت موافق لسياق ج، ومن الغريب أنَّ النص لم يحرَّر عند القراءة على المصنِّف.
359

وقد بيّنّا بطلانَ هذا المذهب من ستِّين وجهًا في كتابنا المسمّى بـ"تحفة النّازلين بجوار ربِّ العالمين"١، وأشبعنا الكلام في هذه المسألة هناك، وذكرنا جميعَ ما احتجَّ به أربابُ هذا المذهب٢، وبيَّنَّا بطلانه.

فإنَّ هذا المذهب ــ بعد تصوُّره وتصوُّر لوازمه ــ يجزم العقلُ ببطلانه، وقد دلَّ القرآن على فساده في غير موضعٍ، والفطرةُ أيضًا وصريحُ العقل. فإنَّ الله فطَر عباده على استحسانِ الصِّدق والعدل والعفّة والإحسان، ومقابلةِ النِّعم بالشُّكر، وفطَرهم على استقباح أضدادها. ونسبةُ هذا إلى فِطَرهم كنسبة الحلو والحامض إلى أذواقهم، وكنسبة رائحةِ المسك ورائحةِ النَّتْن إلى مَشامِّهم، وكنسبة الصَّوت اللّذيذ وضدِّه إلى أسماعهم. وكذلك كلُّ ما يدركونه بمشاعرهم الظّاهرة والباطنة، فيفرِّقون بين طيِّبه وخبيثه، ونافعه وضارِّه.

وقد زعم بعضُ نفاة التَّحسين والتَّقبيح أنَّ هذا متَّفَقٌ عليه، وهو راجعٌ إلى الملاءمة والمنافرة بحسب اقتضاء الطِّباع وقبولها للشّيء، وانتفاعها به،

  1. (١) قد أحال المصنف من قبل (ص ١٤٠) لإبطال هذا المذهب من ستين وجهًا على "مفتاح دار السعادة" وسيحيل عليه مرة أخرى في منزلة التوحيد (٤/ ٥١٠)، وأحال عليه كذلك في "إغاثة اللهفان" (٢/ ٨٦١)، و"الصواعق" (٣/ ١٤٥٠)، و"شفاء العليل" (ص ١٢٨). ولكن هنا أحال على "تحفة النازلين" فلا أدري أنسي أم تكلَّم على المسألة في الكتاب المذكور أيضًا.
  2. (٢) ما عدا ع: "هذه المذاهب".
360

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي