وقد بيّنّا بطلانَ هذا المذهب من ستِّين وجهًا في كتابنا المسمّى بـ"تحفة النّازلين بجوار ربِّ العالمين"١، وأشبعنا الكلام في هذه المسألة هناك، وذكرنا جميعَ ما احتجَّ به أربابُ هذا المذهب٢، وبيَّنَّا بطلانه.
فإنَّ هذا المذهب ــ بعد تصوُّره وتصوُّر لوازمه ــ يجزم العقلُ ببطلانه، وقد دلَّ القرآن على فساده في غير موضعٍ، والفطرةُ أيضًا وصريحُ العقل. فإنَّ الله فطَر عباده على استحسانِ الصِّدق والعدل والعفّة والإحسان، ومقابلةِ النِّعم بالشُّكر، وفطَرهم على استقباح أضدادها. ونسبةُ هذا إلى فِطَرهم كنسبة الحلو والحامض إلى أذواقهم، وكنسبة رائحةِ المسك ورائحةِ النَّتْن إلى مَشامِّهم، وكنسبة الصَّوت اللّذيذ وضدِّه إلى أسماعهم. وكذلك كلُّ ما يدركونه بمشاعرهم الظّاهرة والباطنة، فيفرِّقون بين طيِّبه وخبيثه، ونافعه وضارِّه.
وقد زعم بعضُ نفاة التَّحسين والتَّقبيح أنَّ هذا متَّفَقٌ عليه، وهو راجعٌ إلى الملاءمة والمنافرة بحسب اقتضاء الطِّباع وقبولها للشّيء، وانتفاعها به،
(١) قد أحال المصنف من قبل (ص ١٤٠) لإبطال هذا المذهب من ستين وجهًا على "مفتاح دار السعادة" وسيحيل عليه مرة أخرى في منزلة التوحيد (٤/ ٥١٠)، وأحال عليه كذلك في "إغاثة اللهفان" (٢/ ٨٦١)، و"الصواعق" (٣/ ١٤٥٠)، و"شفاء العليل" (ص ١٢٨). ولكن هنا أحال على "تحفة النازلين" فلا أدري أنسي أم تكلَّم على المسألة في الكتاب المذكور أيضًا.
(٢) ما عدا ع: "هذه المذاهب".
ونفرتها من ضدِّه. قالوا: وهذا ليس الكلامُ فيه، إنَّما الكلامُ في كونِ الفعل متعلِّقًا للمدح والذّمِّ عاجلًا، والثّوابِ والعقابِ آجلًا؛ فهذا الذي نفيناه، وقلنا: إنّه لا يُعلَم إلّا بالشّرع. وقال خصومنا: إنّه معلومٌ بالعقل، والعقلُ مقتضٍ له١.
فيقال: هذا فرارٌ من الزَّحف، إذ هاهنا أمران متغايران لا تلازم بينهما.
أحدهما: هل الفعلُ نفسُه مشتملٌ على صفةٍ اقتضت حسنه وقبحه، بحيث ينشأ الحسن والقبح منه، فيكون منشأً لهما أم لا؟
والثّاني: أنَّ الثَّوابَ المترتِّبَ٢ على حسن الفعل والعقابَ المترتِّبَ على قبحه ثابتٌ، بل واقعٌ بالعقل٣، أم لا يقع إلّا بالشَّرع؟
ولمّا٤ ذهبت المعتزلة ومن وافقهم إلى تلازم الأصلين استطلتم عليهم وتمكَّنتم من إبداء تناقضهم وفضائحهم، ولمَّا نفيتم أنتم الأصلَين جميعًا استطالوا عليكم وأبدَوا من فضائحكم وخلافكم لصريح العقل والفطرة ما أبدَوه. وهم غلطوا في تلازم الأصلين، وأنتم غلطتم في نفي الأصلين.
والحقُّ الذي لا يجد التَّناقضُ إليه السَّبيلَ٥ أنّه لا تلازم بينهما، وأنَّ
(١) انظر: "المحصول" للرازي (١/ ١٢٣)، و"المواقف" للإيجي مع شرح الشريف الجرجاني (٣/ ٢٦٢).