ونفرتها من ضدِّه. قالوا: وهذا ليس الكلامُ فيه، إنَّما الكلامُ في كونِ الفعل متعلِّقًا للمدح والذّمِّ عاجلًا، والثّوابِ والعقابِ آجلًا؛ فهذا الذي نفيناه، وقلنا: إنّه لا يُعلَم إلّا بالشّرع. وقال خصومنا: إنّه معلومٌ بالعقل، والعقلُ مقتضٍ له١.
فيقال: هذا فرارٌ من الزَّحف، إذ هاهنا أمران متغايران لا تلازم بينهما.
أحدهما: هل الفعلُ نفسُه مشتملٌ على صفةٍ اقتضت حسنه وقبحه، بحيث ينشأ الحسن والقبح منه، فيكون منشأً لهما أم لا؟
والثّاني: أنَّ الثَّوابَ المترتِّبَ٢ على حسن الفعل والعقابَ المترتِّبَ على قبحه ثابتٌ، بل واقعٌ بالعقل٣، أم لا يقع إلّا بالشَّرع؟
ولمّا٤ ذهبت المعتزلة ومن وافقهم إلى تلازم الأصلين استطلتم عليهم وتمكَّنتم من إبداء تناقضهم وفضائحهم، ولمَّا نفيتم أنتم الأصلَين جميعًا استطالوا عليكم وأبدَوا من فضائحكم وخلافكم لصريح العقل والفطرة ما أبدَوه. وهم غلطوا في تلازم الأصلين، وأنتم غلطتم في نفي الأصلين.
والحقُّ الذي لا يجد التَّناقضُ إليه السَّبيلَ٥ أنّه لا تلازم بينهما، وأنَّ
(١) انظر: "المحصول" للرازي (١/ ١٢٣)، و"المواقف" للإيجي مع شرح الشريف الجرجاني (٣/ ٢٦٢).
(٢) ج: "المرتب".
(٣) "والعقاب ... بالعقل" ساقط من ج.
(٤) ج: "فلما".
(٥) ج: "سبيلًا".
الأفعالَ في نفسها حسنةٌ وقبيحةٌ، كما أنّها نافعةٌ وضارّةٌ، والفرقُ بينهما كالفرق بين المطعومات والمشمومات والمرئيّات، ولكن لا يُرتَّب١ عليها ثوابٌ ولا عقابٌ إلّا في الأمر والنّهي. وقبل ورود الأمر والنّهي لا يكون قبيحُها مُوجِبًا للعقاب مع قبحه في نفسه بل هو في غاية القبح، واللهُ لا يعاقِب عليه إلّا بعد إرسال الرُّسل. فالسُّجودُ للأوثان والشَّيطان والكذبُ والزِّنى والظُّلمُ والفواحشُ كلُّها قبيحةٌ في ذاتها، والعقابُ عليها مشروطٌ بالشَّرع.
فالنُّفاة يقولون: ليست في ذاتها قبيحةً، وقبحُها والعقابُ عليها إنّما ينشأ بالشَّرع. والمعتزلةُ يقولون: قبحُها والعقابُ عليها ثابتان بالعقل. وكثيرٌ من الفقهاء من الطّوائف الأربعة يقولون: قبحُها ثابتٌ بالعقل، والعقابُ متوقِّفٌ على ورود الشَّرع. وهو الذي ذكره سعد بن عليٍّ الزَّنجانيُّ٢ من الشَّافعيّة، وأبو الخطَّاب٣ من الحنابلة. وذكره الحنفيَّةُ وحكوه عن أبي حنيفة نصًّا٤،
(١) ع، ج: "يترتب".
(٢) "الزنجاني" ساقط من ج. وفيها وفي ل: "سعيد"، تصحيف. وهو الحافظ العابد شيخ الحرم أبو القاسم سعد بن علي الزنجاني له قصيدة رائية مشهورة في قواعد أهل السنة. توفي سنة ٤٧١. انظر: "سير أعلام النبلاء" (١٨/ ٣٨٥)، و"طبقات الشافعية" (٤/ ٣٨٣). والمسألة المذكورة في "شرحه لقصيدته". انظر: "منهاج السنة" (١/ ٤٥٠).
(٣) الكَلْوَذاني. انظر كتابه "التمهيد" (٤/ ٢٨٧)، و"درء التعارض" (٧/ ٤٥٧)، و"منهاج السنة" (١/ ١٤٤).
(٤) انظر: "تخريج الفروع على الأصول" للزَّنجاني (ص ٢٤٥)، و"درء التعارض" (٧/ ٤٥٧. ٩/ ٤٩)، و"الرَّدّ على المنطقيين" (ص ٤٢٠).