وكم يقول لهم في كتابه: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾! فينبِّههم على ما في عقولهم وفِطَرهم من الحسَن والقبيح، ويحتجُّ عليهم بها، ويخبر أنّه أعطاهموها لينتفعوا بها ويميِّزوا بها بين الحسن والقبيح والحقِّ والباطل.
وكم في القرآن من مثلٍ عقليٍّ وحسِّيٍّ ينبِّه به العقولَ على حسن ما أمر به، وقبح ما نهى عنه؛ فلو لم يكن في نفسه كذلك لم يكن لضرب الأمثال للعقول معنًى، ولكان إثباتُ ذلك بمجرَّد الأمر والنّهي دون ضربِ الأمثال وتبيينِ جهة القبح المشهودة بالحسِّ والعقل.
والقرآن مملوءٌ بهذا لمن تدبَّره، كقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾[الروم: ٢٨]. يحتجُّ سبحانه عليهم بما في عقولهم من قبحِ كونِ مملوكِ أحدهم شريكًا له. فإذا كان أحدكم يستقبح أن يكون مملوكُه شريكَه، ولا يرضى بذلك، فكيف تجعلون لي من عبيدي شركاء تعبدونهم كعبادتي؟ وهذا يبيِّن٢ أنَّ قبحَ عبادة غيره تعالى مستقِرٌّ٣ في العقول والفِطَر، والسَّمعُ
(١) بعده في ع زيادة: "حاكيًا عنهم".
(٢) ش: "بيِّن". وفي ج: "وبهذا يتبين".
(٣) في جميع النسخ: "مستقرَّة"، غير أن بعضهم حاول طمس الهاء في ق، وفي هامش ش: "ظ مستقر"، وهو الصواب فإن المستقرَّ في العقول هو قبح عبادة غير الله، لا عبادة غير الله، فلا يصح الإخبار هنا عن المضاف إليه.
نبَّهَ العقولَ وأرشدها إلى معرفة ما أُودع فيها من قُبح ذلك.
وكذلك قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَالِمًا١ لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾[الزمر: ٢٩]. احتجَّ سبحانه على قبح الشِّرك بما تعرفه العقولُ من الفرق بين حالِ مملوكٍ يملكه أربابٌ متعاسرون سيِّئوا المَلَكة، وحالِ عبد يملكه سيِّدٌ واحدٌ قد سلِمَ كلُّه له، فهل يصحُّ في العقول استواءُ حال العبدين؟ فكذلك حالُ المشرك والموحِّد الذي قد سلِمتْ عبوديّتُه للواحد٢ الحقِّ، لا يستويان.
وكذلك قوله تعالى٣ ممثِّلًا لقبح الرِّياء المُبطلِ للعمل، والمنِّ والأذى المُبطلِ للصّدقات بـ ﴿كَمَثَلِ﴾ وهو الحجر الأملس ﴿صَفْوَانٍ عَلَيْهِ﴾ غبارٌ قد لصِقَ به ﴿تُرَابٌ﴾ مطرٌ شديدٌ، فأزال ما عليه من التُّراب، وتركه ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ أملسَ لا شيء عليه. وهذا المثلُ في غاية المطابقة لمن فهمه. فالصّفوان ــ وهو الحجر ــ كقلب المرائي والمانِّ والمؤذي، والتُّراب الذي لصق به: ما تعلَّق به من أثر عمله وصدقته، والوابل: المطر الذي به حياة الأرض، فإذا صادفها ليِّنةً قابلة يُنبِتُ٤ فيها الكلأَ، وإذا صادفَ الصُّخورَ والحجارةَ الصُّمَّ لم يُنبت فيها شيئًا. فجاء هذا الوابل إلى التُّراب الذي على الحَجر، فصادفه رقيقًا فأزاله، فأفضى إلى حجرٍ غير قابلٍ للنّبات. وهذا يدلُّ على أنَّ قبحَ المنِّ