وكذلك قوله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾[البقرة: ٢٦٦]. فنبَّه سبحانه العقولَ على قبح١ ما فيها من الأعمال السّيِّئة التي تُحبِط ثوابَ الحسنات. وشبَّهها سبحانه بحال شيخٍ كبيرٍ له ذرِّيّةٌ ضعفاءُ، بحيث يخشى عليهم الضَّيعةَ وعلى نفسه، وله بستانٌ هو مادّةُ عيشِه وعيشِ ذرِّيّته، فيه النَّخيلُ والأعنابُ ومن كلِّ الثَّمرات، فأرجى ما هو له وأسَرُّ ما كان به إذ أصابته نارٌ شديدةٌ فأحرقته. فنبَّه العقولَ على أنَّ قبحَ المعاصي التي تُغرِقُ الطّاعاتِ بعدها كقبح هذه الحال. وبهذا فسَّرها عمر وابن عبّاس: برجلٍ عمل بطاعة الله زمانًا، فبعث الله إليه٢ الشَّيطانَ، فعمِل بمعاصي الله حتّى أغرق أعمالَه، ذكره البخاريُّ في "صحيحه"٣. أفلا تراه نبَّه العقولَ على قُبح المعصية بعد الطّاعة، وضرَبَ لقبُحها هذا المثل؟٤.
ونفاةُ التَّعليل والأسباب والحِكَم وحسنِ الأفعال وقبحِها يقولون: ما ثَمَّ إلّا محضُ المشيئة، لا أنَّ بعضَ الأعمال يُبطِل بعضًا، وليس فيها ما هو قبيحٌ لعينه، حتّى يشبَّه بقبيحٍ آخر، وليس فيها ما هو منشأٌ لمفسدةٍ أو مصلحةٍ تكون
سببًا لهما١، ولا لها عللٌ غائيّةٌ هي مفضيةٌ إليها، وإنّما هي متعلَّق المشيئة والإرادة والأمر والنّهي فقط!
والفقهاءُ لا يمكنهم البناءُ على هذه الطَّريقة البتّةَ، فكلُّهم مُجمعون ــ إذا تكلَّموا بلسان الفقه ــ على بطلانها، إذ يتكلَّمون في العلل والمناسبات الدَّاعية لشَرْع الحُكم، ويفرِّقون بين المصالح الخالصة والرّاجحة والمرجوحة والمفاسد التي هي كذلك، ويقدِّمون أرجحَ المصلحتين على مرجوحهما، ويدفعون أقوى المفسدتين باحتمال أدناهما. ولا يتمُّ لهم ذلك إلّا باستخراج الحِكَم والعلل، ومعرفة المصالح والمفاسد النّاشئة من الأفعال، ومعرفة رُتَبها.
وكذلك الأطبّاءُ، لا يصحُّ لهم علمُ الطِّبِّ وعملُه إلّا بمعرفة قوى الأدوية والأغذية والأمزجة٢ وطبائعها، ونسبةِ بعضها إلى بعضٍ، ومقدارِ تأثير بعضها في بعضٍ، وانفعالِ بعضها عن البعض٣، والموازنةِ بين قوَّة الدَّواء وقوَّة المرض وقوَّة المريض٤، ودفعِ الضِّدِّ بضدِّه، وحفظِ ما يريدون حفظَه بمثله ومناسبه. فصناعةُ الطِّبِّ٥ وعملُه مبنيٌّ على معرفة الأسباب والعلل والقوى والطّبائع والخواصِّ، فلو نفَوا ذلك وأبطلوه، وأحالوا على محض المشيئة وصِرْفِ الإرادة المجرَّدة عن الأسباب والعلل، وجعلوا
(١) ج: "لها".
(٢) ع: "والأمزجة والأغذية".
(٣) ش: "بعض".
(٤) "وقوة المريض" ساقط من ق، ش، ومستدرك في هامش ق، ل.