مدارج السالكين

حقيقةَ النّار مساويةً لحقيقة الماء، وحقيقةَ الدَّواء مساويةً لحقيقة الغذاء، ليس في أحدهما خاصِّيّةٌ ولا قوّةٌ يتميَّز بها عن الآخر= لفسد علمُ الطِّبِّ، وبطلت حِكمُ الله١ تعالى.

بل العالمُ مربوطٌ بالأسباب والقوى والعلل الفاعليّة والغائيّة، وعلى هذا قام الوجودُ بتقدير العزيز العليم. والكلُّ مربوطٌ بقضائه وقدره ومشيئته، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. فإذا شاء سلَب قوّةَ الجسمِ الفاعلِ منه ومنَع تأثيرها، وإذا شاء جعَل في الجسم المنفعل قوّةً تدفعها وتمنع موجَبَها مع بقائها. وهذا لكمال قدرته ونفوذ مشيئته.

والنّاس في الأسباب والقوى والطّبائع ثلاثة أقسامٍ:

منهم: من بالغ في نفيها وإنكارها، فأضحك العقلاءَ على عقله. وزعم أنّه بذلك ينصر الشّرعَ، فجنى على العقل والشّرع، وسلَّط خصمَه عليه.

ومنهم: من ربط العالمَ العلويَّ والسُّفليَّ بها بدون ارتباطها بمشيئة فاعلٍ مختارٍ مدبِّرٍ لها يصرِّفها كيف أراد، فيسلبُ قوّةَ هذا، ويقيم لقوّة هذا قوّةً تعارضه وتكُفُّ٢ قوّةَ هذا عن التّأثير مع بقائها، ويتصرَّف فيها كما يشاء ويختار.

وهذان طرفان جائران عن الصّواب.

ومنهم: من أثبتها خلقًا وأمرًا، قدرًا وشرعًا، وأنزلها بالمحلِّ الذي أنزلها الله به، من كونها تحت تدبيره ومشيئته، وهي طوعُ المشيئة والإرادة، ومحلُّ

  1. (١) ع: "حكمة الله".
  2. (٢) ج: "يكف".
378

جَرَيانِ حكمِها١ عليها. فيقوِّي سبحانه بعضَها ببعضٍ، ويُبطل ــ إن شاء ــ بعضَها ببعضٍ، ويسلُب بعضَها قوّته وسببيّته ويعرِّيه٢ منها، ويمنعُه من موجَبها مع إبقائها عليه؛ ليعلمَ خلقُه أنّه الفعَّالُ لما يريد، وأنّه لا مستقلَّ بالفعل والتّأثير غير مشيئته، وأنَّ التّعلُّقَ بالسَّببِ دونه كالتّعلُّقِ ببيت العنكبوت، مع كونه سببًا.

وهذا بابٌ عظيمٌ نافعٌ في التّوحيد وإثبات الحِكَم، يُوجِب للعبد ــ إذا تبصَّر فيه ــ الصُّعودَ من الأسباب إلى مسبِّبها، والتّعلُّقَ به دونها، وأنّها لا تضرُّ ولا تنفع إلّا بإذنه، وأنّه إذا شاء جَعلَ نافعَها ضارًّا وضارَّها نافعًا، ودواءَها داءً وداءَها دواءً. فالالتفاتُ إليها بالكلِّيّة شركٌ منافٍ للتّوحيد، وإنكارُها أن تكون أسبابًا بالكلِّيّة قدحٌ في الشَّرع والحكمة. والإعراضُ عنها ــ مع العلم بكونها أسبابًا ــ نقصانٌ في العقل٣. وتنزيلُها منازلَها، ومدافعةُ بعضها ببعضٍ، وتسليطُ بعضها على بعضٍ، وشهودُ الجمع في تفرُّقها، والقيامُ بها= هو محضُ العبوديّة والمعرفة، وإثباتُ التَّوحيد والشَّرع والقدَر والحكمة٤. والله أعلم.

  1. (١) في هامش ع أن في نسخة: "حكمه".
  2. (٢) في نسخة: "ويعرِّيها" كما في هامش ع.
  3. (٣) قوله: "فالالتفات إليها ... في العقل" نسبه شيخ الإسلام في "بغية المرتاد" (ص ٢٦٢) و"منهاج السنة" (٥/ ٣٦٦) إلى الغزالي وابن الجوزي. وهو بنحوه في "إحياء علوم الدين" (٤/ ٣٧٤). وسينقله المصنف في منزلة التوحيد (٤/ ٥٢٢) عن "بعض أهل العلم".
  4. (٤) قد أحال المصنف من قبل (ص ١٤٠) لإفاضة القول في مسألة التحسين والتقبيح على كتابه "مفتاح دار السعادة"، وسيأتي الكلام على المسألة مرة أخرى في منزلة التوحيد (٤/ ٥١٠) مع الإحالة على الكتاب المذكور.
379

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي