مدارج السالكين

جَرَيانِ حكمِها١ عليها. فيقوِّي سبحانه بعضَها ببعضٍ، ويُبطل ــ إن شاء ــ بعضَها ببعضٍ، ويسلُب بعضَها قوّته وسببيّته ويعرِّيه٢ منها، ويمنعُه من موجَبها مع إبقائها عليه؛ ليعلمَ خلقُه أنّه الفعَّالُ لما يريد، وأنّه لا مستقلَّ بالفعل والتّأثير غير مشيئته، وأنَّ التّعلُّقَ بالسَّببِ دونه كالتّعلُّقِ ببيت العنكبوت، مع كونه سببًا.

وهذا بابٌ عظيمٌ نافعٌ في التّوحيد وإثبات الحِكَم، يُوجِب للعبد ــ إذا تبصَّر فيه ــ الصُّعودَ من الأسباب إلى مسبِّبها، والتّعلُّقَ به دونها، وأنّها لا تضرُّ ولا تنفع إلّا بإذنه، وأنّه إذا شاء جَعلَ نافعَها ضارًّا وضارَّها نافعًا، ودواءَها داءً وداءَها دواءً. فالالتفاتُ إليها بالكلِّيّة شركٌ منافٍ للتّوحيد، وإنكارُها أن تكون أسبابًا بالكلِّيّة قدحٌ في الشَّرع والحكمة. والإعراضُ عنها ــ مع العلم بكونها أسبابًا ــ نقصانٌ في العقل٣. وتنزيلُها منازلَها، ومدافعةُ بعضها ببعضٍ، وتسليطُ بعضها على بعضٍ، وشهودُ الجمع في تفرُّقها، والقيامُ بها= هو محضُ العبوديّة والمعرفة، وإثباتُ التَّوحيد والشَّرع والقدَر والحكمة٤. والله أعلم.

  1. (١) في هامش ع أن في نسخة: "حكمه".
  2. (٢) في نسخة: "ويعرِّيها" كما في هامش ع.
  3. (٣) قوله: "فالالتفات إليها ... في العقل" نسبه شيخ الإسلام في "بغية المرتاد" (ص ٢٦٢) و"منهاج السنة" (٥/ ٣٦٦) إلى الغزالي وابن الجوزي. وهو بنحوه في "إحياء علوم الدين" (٤/ ٣٧٤). وسينقله المصنف في منزلة التوحيد (٤/ ٥٢٢) عن "بعض أهل العلم".
  4. (٤) قد أحال المصنف من قبل (ص ١٤٠) لإفاضة القول في مسألة التحسين والتقبيح على كتابه "مفتاح دار السعادة"، وسيأتي الكلام على المسألة مرة أخرى في منزلة التوحيد (٤/ ٥١٠) مع الإحالة على الكتاب المذكور.
379

فصل

وأمّا غلطُ مَن غلِط من أرباب السُّلوك والإرادة في هذا الباب، فحيث ظنُّوا أنَّ شهودَ الحقيقة الكونيَّة والفناءَ في توحيد الرُّبوبيّة من مقامات العارفين، بل أجلُّ مقاماتهم. فساروا شائمين لبرق هذا الشُّهود، سالكين لأودية الفناء فيه. وحثَّهم على هذا السَّير ورغَّبهم فيه ما شهدوه من حال أرباب الفَرْق الطَّبعيِّ١، فأنِفُوا من صحبتهم في الطَّريق، ورأوا مفارقتَهم فرضًا معيَّنًا لا بدَّ لهم منه. فلمَّا عرَضَ لهم الفرقُ الشَّرعيُّ في طريقهم ورد عليهم منه أعظمُ واردٍ فرَّقَ جمعيَّتَهم، وقسَّمَ وحدةَ عزيمتهم، وحال بينهم وبين عين الجمع الذي هو نهايةُ منازل سيرهم، فافترقت طرقهُم في هذا الوارد٢ العظيم:

فمنهم من اقتحمه ولم يلتفت إليه، وقال: الاشتغالُ بالأوراد عن عين المورد٣ انقطاعٌ عن الغاية. والقصدُ من الأوراد: الجمعيّةُ على الآمر، فما الاشتغالُ٤ عن المقصود بالوسيلة بعد الوصول إليه، والرُّجوعُ من حضرته إلى منازل السّفر إليه؟ وربّما أنشد بعضهم:

يطالَبُ بالأوراد مَن كان غافلًافكيف بقلبٍ كلُّ أوقاته وِرْدُ٥
  1. (١) ع: "الطبيعي".
  2. (٢) ش: "الوادي"، تحريف.
  3. (٣) م، ش: "الورد".
  4. (٤) ل، م، ش: "للاشتغال".
  5. (٥) تقدَّم في (ص ١٣٣).
380

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي