فإذا اضطُرَّ أحدُهم إلى التَّفرقة بوارد الأمر قال: ينبغي أن يكون الفرقُ١ على اللِّسان موجودًا، والجمعُ في القلب مشهودًا.
ثمّ من هؤلاء من يُسقط الأوامر والنّواهي جملةً، ويرى القيامَ بها من باب ضبط ناموس الشَّرع، ومصلحة العموم، ومبادئ السَّير؛ فهي التي تحُثُّ أهلَ الغفلة على التَّشمير للسَّير، فإذا جدَّ في السَّير استغنى بقربه٢ وجمعيَّتِه عنها.
ومنهم من لا يرى سقوطها إلّا عمَّن شهد الحقيقةَ الكونيَّةَ، ووصل إلى مقام الفناء فيها، فمن كان هذا مشهدُه سقط عنه الأمرُ والنَّهيُ عندهم.
وقد يقولون: شهودُ الإرادة يُسْقِط الأمرَ. وفي هذا المشهد يقولون: العارف لا يستقبح قبيحةً، ولا يستحسن حسنةً. ويقول قائلهم: العارف لا يُنكِر منكرًا لاستبصاره بسرِّ الله تعالى في القدر. ويقولون: القيامُ بالعبادة مقامُ التَّلبيس، ويحتجُّون بقول الله تعالى: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾[الأنعام: ٩]٣.
وهذا من أقبح الجهل، فإنَّ هذا داخلٌ في جواب لو التي ينتفي بها الملزومُ ــ وهو المقدَّم ــ لانتفاء اللَّازم، وهو الجواب، وهو التّالي. فانتفاءُ جعلِ الرّسول ملَكًا ــ كما اقترحوه ــ لانتفاء التَّلبيس من الله تعالى عليهم، والكفّار كانوا قد قالوا: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ﴾ أي نعاينه ونراه، وإلّا فالملَكُ
(١) "الفرق" ساقط من ش.
(٢) ما عدا ع: "بفرقيته".
(٣) انظر للأقوال السابقة: "جامع الرسائل" (٢/ ١٢٥) وما تقدم في (ص ٢٥٣ - ٢٥٤) وما سيأتي من الكلام على مقام التلبيس.
لم يزل يأتيه من عند الله بأمره ونهيه، فهم اقترحوا نزولَ ملكٍ١ يعاينونه٢. فأخبر سبحانه عن الحكمة التي لأجلها لم يجعل رسولَه إليهم من الملائكة، ولا أنزل ملكًا يرونه، فقال: ﴿مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ﴾[الأنعام: ٨] أي لوجب العذابُ وفُرِغَ من الأمر، ثمّ لا يُمهَلُون إن أقاموا على التّكذيب.
وهذا نظير قوله في الحِجْر: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ٦ لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. قال الله ﷿: ﴿مَا تَنَزَّل الْمَلَائِكَةَ٣ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾[الحجر: ٦ - ٨] والحقُّ هاهنا: العذاب.
ثمّ قال: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾[الأنعام: ٩]. أي لو أنزلنا عليهم ملكًا لجعلناه في صورة آدميٍّ، إذ لا يستطيعون التّلقِّيَ عن الملَكِ في صورته التي هو عليها، وحينئذٍ فيقع اللَّبسُ منَّا عليهم، لأنّهم لا يدرون أرجلٌ هو أم٤ ملَكٌ؟ فلو جعلناه رجلًا لخلَطنا عليهم وشبَّهنا عليهم الذي طلبوه بغيره.
وقوله: ﴿مَا يَلْبِسُونَ﴾، فيه قولان٥:
(١) العبارة: "أي نعاينه ... نزول ملك" ساقطة من النسخ لانتقال النظر ما عدا ع.