أحدهما: أنّه جزاءٌ على لَبْسِهم على ضعفائهم١، والمعنى أنّهم كما شبَّهوا على ضعفائهم، ولبَّسوا عليهم الحقَّ بالباطل، يشبَّه عليهم، ويُلبَس٢ عليهم الملَكُ بالرَّجل.
والثّاني: أنّا نلبِسُ عليهم ما لبَسوا على أنفسهم، فإنهم خلَطوا على أنفسهم، ولم يؤمنوا بالرَّسول ﷺ٣ منهم بعد معرفتهم صدقَه، وطلبوا رسولًا مَلكيًّا يعاينونه، وهذا تلبيسٌ منهم على أنفسهم؛ فلو أجبناهم٤ إلى ما اقترحوه لم يؤمنوا عنده، وللَبَسْنا عليهم لَبْسَهم على أنفسهم.
فأيُّ تعلُّقٍ لهذا بالتّلبيس الذي ذكرته هذه الطّائفةُ من تعليق الكائنات والمثوبات والعقوبات بالأسباب، وتعليق المعارف بالوسائط، والقضايا بالحجج، والأحكام بالعلل، والانتقام بالجنايات، والمثوبات بالطَّاعات، ممّا هو محضُ الحكمة وموجَبُها، وأثر اسمه "الحكيم" في الخلق والأمر. والخلقُ والأمرُ إنّما قام بالأسباب، وكذلك الدُّنيا والآخرة، وكذلك الثّوابُ والعقابُ. فجعلُ الأسبابِ منصوبةً للتَّلبيس من أعظم الباطل شرعًا وقدرًا.
والذي أوقع هؤلاء في هذا الغلوِّ: نفرتُهم من أرباب الفرق الأوّل، ومشاهدتُهم قبيحَ٥ ما هم عليه. وهم ــ لَعَمْرُ الله ــ خيرٌ منهم، مع ما هم عليه، فإنّهم مُقِرُّون بالجمع والفرق: أنَّ الله ربُّ كلِّ شيءٍ ومليكُه وخالقُه،
(١) في الأصل وغيره: "صنعنا بهم"، وهو تصحيف ما أثبت من ع.
(٢) ج: "فاشتبه عليهم وتلبس".
(٣) في ج بعده زيادة: "عنادًا" وكذا في هامش ل.
(٤) ما عدا ع: "أجابهم".
(٥) ع: "قبح".
وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وبأنّه فرَّقَ١ بين المأمور والمحظور والمحبوب والمكروه، وإن كانوا كثيرًا ما يفرِّقون بأهوائهم ونفوسهم. فهم في فرقهم النَّفْسيِّ خيرٌ من أهل هذا الجَمْع، إذ هم مقرُّون بأنّ الله يأمرُ بالحسنات ويحبُّها، وينهى عن السّيِّئات ويبغضُها. وإذا فرَّقوا بحسب أهوائهم وفرَّقوا بنفوسهم لم يجعلوا هذا الفرقَ دينًا يُسْقِطُ عنهم أمرَ الله تعالى ونهيَه، بل يعترفون أنّه ذنبٌ قبيحٌ، وأنّهم مقصِّرون بل مفرِّطون في الفرق الشّرعيِّ. ونهايةُ ما معهم صحّةُ إيمانٍ مع غفلةٍ وفرقٍ نفسانيٍّ، وأولئك معهم جمعٌ وشهودٌ يصحبه فسادُ إيمانٍ وخروجٌ عن الدِّين.
ومن العجب أنّهم فرُّوا من فرق أولئك النّفسيِّ إلى جمعٍ أسقط التّفرقةَ الشَّرعيَّةَ، ثمّ آل أمرُهم إلى أن صار فرقُهم كلُّه نفسيًّا! فهم في الحقيقة راجعون إلى فرقهم ولا بدَّ، فإنَّ الفرق أمرٌ ضروريٌّ للإنسان ولا بدَّ؛ فمن لم يفرِّق بالشَّرع فرَّقَ بالنَّفس والهوى. فهم أعظمُ النّاس اتِّباعًا لأهوائهم، يميلون مع الهوى حيث مال بهم، ويزعمون أنّه الحقيقة!
وبالجملة، فلهذا السُّلوك لوازمُ عظيمةُ البطلان، مناقِضةٌ للإيمان٢،وآخِرُ أمرِ صاحبِه: الفناءُ في شهود الحقيقة العامَّة المشترَكة بين الأبرار والفجّار وبين الملائكة والشّياطين، وبين الرُّسل وأعدائهم؛ وهي الحقيقةُ الكونيَّةُ القدريَّةُ. ومن وقف معها ولم يصعد إلى الفرق الثّاني ــ وهو
(١) لفظ "فرَّق" ساقط من ع.
(٢) ق، ل: "الإيمان". وفي ع: "منافية للإيمان". وفيها زيادة: "جالبةٌ للخسران ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾[المائدة: ٦٠] " وقد نبَّه على الزيادة مَن قابلها على نسخة أخرى.