مدارج السالكين

وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وبأنّه فرَّقَ١ بين المأمور والمحظور والمحبوب والمكروه، وإن كانوا كثيرًا ما يفرِّقون بأهوائهم ونفوسهم. فهم في فرقهم النَّفْسيِّ خيرٌ من أهل هذا الجَمْع، إذ هم مقرُّون بأنّ الله يأمرُ بالحسنات ويحبُّها، وينهى عن السّيِّئات ويبغضُها. وإذا فرَّقوا بحسب أهوائهم وفرَّقوا بنفوسهم لم يجعلوا هذا الفرقَ دينًا يُسْقِطُ عنهم أمرَ الله تعالى ونهيَه، بل يعترفون أنّه ذنبٌ قبيحٌ، وأنّهم مقصِّرون بل مفرِّطون في الفرق الشّرعيِّ. ونهايةُ ما معهم صحّةُ إيمانٍ مع غفلةٍ وفرقٍ نفسانيٍّ، وأولئك معهم جمعٌ وشهودٌ يصحبه فسادُ إيمانٍ وخروجٌ عن الدِّين.

ومن العجب أنّهم فرُّوا من فرق أولئك النّفسيِّ إلى جمعٍ أسقط التّفرقةَ الشَّرعيَّةَ، ثمّ آل أمرُهم إلى أن صار فرقُهم كلُّه نفسيًّا! فهم في الحقيقة راجعون إلى فرقهم ولا بدَّ، فإنَّ الفرق أمرٌ ضروريٌّ للإنسان ولا بدَّ؛ فمن لم يفرِّق بالشَّرع فرَّقَ بالنَّفس والهوى. فهم أعظمُ النّاس اتِّباعًا لأهوائهم، يميلون مع الهوى حيث مال بهم، ويزعمون أنّه الحقيقة!

وبالجملة، فلهذا السُّلوك لوازمُ عظيمةُ البطلان، مناقِضةٌ للإيمان٢،وآخِرُ أمرِ صاحبِه: الفناءُ في شهود الحقيقة العامَّة المشترَكة بين الأبرار والفجّار وبين الملائكة والشّياطين، وبين الرُّسل وأعدائهم؛ وهي الحقيقةُ الكونيَّةُ القدريَّةُ. ومن وقف معها ولم يصعد إلى الفرق الثّاني ــ وهو

  1. (١) لفظ "فرَّق" ساقط من ع.
  2. (٢) ق، ل: "الإيمان". وفي ع: "منافية للإيمان". وفيها زيادة: "جالبةٌ للخسران ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٦٠] " وقد نبَّه على الزيادة مَن قابلها على نسخة أخرى.
384

الحقيقةُ١ النَّبويَّةُ ــ فهو زنديقٌ كافرٌ.

فصل

ومنهم من لم ير إسقاطَ٢ الفرق الثّاني جملةً، بل إنّما يُسقِط عن الواصلِ إلى عين الجمع، الشَّاهدِ للحقيقة. وما دام سالكًا أو محجوبًا عن شهود الحقيقة٣ فالفرقُ لازمٌ له.

وهؤلاء أيضًا من جنس الفريق الأوّل، بل هم خواصُّهم. فإذا وصل واصلُهم إلى شهود حقيقة الجمع لم يجب عليه القيامُ بتفرقة الأوامر. وإن قام بها فلحفظِ المرتبة، وضبطِ النّاموس، وحفظِ السَّالكين عن الذَّهاب مع الفرق الطَّبيعيِّ قبل شهود٤ الحقيقة؛ ويسمُّون هذه الحال تلبيسًا! وقد تقدَّم ذكره٥. وسيأتي إن شاء الله كشفُ هذا التَّلبيس الذي يشيرون إليه كشفًا بيِّنًا٦.

وقد تقدّم٧ أنّهم يحتجُّون على سقوط الفرق عمّن شهد الحقيقة بقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]، ويقولون: إنَّ الرَّسول صلواتُ الله وسلامُه عليه كان في هذا المقام، وإنّما كان قيامُه

  1. (١) بعده في ع زيادة: "الدينيّة".
  2. (٢) ج: "سقوط".
  3. (٣) "وما دام ... الحقيقة" ساقط من ج لانتقال النظر.
  4. (٤) ع: "شهودهم".
  5. (٥) في الفصل السابق.
  6. (٦) في الكلام على منزلة التلبيس.
  7. (٧) في (ص ٢٥٠، ٢٥٣).
385

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي