ومنهم من لم ير إسقاطَ٢ الفرق الثّاني جملةً، بل إنّما يُسقِط عن الواصلِ إلى عين الجمع، الشَّاهدِ للحقيقة. وما دام سالكًا أو محجوبًا عن شهود الحقيقة٣ فالفرقُ لازمٌ له.
وهؤلاء أيضًا من جنس الفريق الأوّل، بل هم خواصُّهم. فإذا وصل واصلُهم إلى شهود حقيقة الجمع لم يجب عليه القيامُ بتفرقة الأوامر. وإن قام بها فلحفظِ المرتبة، وضبطِ النّاموس، وحفظِ السَّالكين عن الذَّهاب مع الفرق الطَّبيعيِّ قبل شهود٤ الحقيقة؛ ويسمُّون هذه الحال تلبيسًا! وقد تقدَّم ذكره٥. وسيأتي إن شاء الله كشفُ هذا التَّلبيس الذي يشيرون إليه كشفًا بيِّنًا٦.
وقد تقدّم٧ أنّهم يحتجُّون على سقوط الفرق عمّن شهد الحقيقة بقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾[الحجر: ٩٩]، ويقولون: إنَّ الرَّسول صلواتُ الله وسلامُه عليه كان في هذا المقام، وإنّما كان قيامُه
(١) بعده في ع زيادة: "الدينيّة".
(٢) ج: "سقوط".
(٣) "وما دام ... الحقيقة" ساقط من ج لانتقال النظر.
(٤) ع: "شهودهم".
(٥) في الفصل السابق.
(٦) في الكلام على منزلة التلبيس.
(٧) في (ص ٢٥٠، ٢٥٣).
بالأعمال تشريعًا. وذكرنا أنَّ اليقين الموت، وأنّه من المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أنّ الأوامر والنّواهي لا تسقط عن العبد ما دام في دار التّكليف، إلّا إذا زال عقله وصار مجنونًا.
فصل
ومنهم من يرى القيامَ بالأوامر واجبًا إذا لم تُفرِّق جمعيَّتَه، فإذا فرَّقَتْ جمعيَّتَه رأى الجمعيَّةَ أوجَبَ منها، فيزعم أنّه يترك واجبًا لما هو أوجَبُ منه وأهمُّ منه. وهذا أيضًا جهلٌ وضلالٌ.
وإن رأى أنَّ الأمرَ لم يتوجَّهْ إليه في حال الجمعيَّةِ فهو كافرٌ. وإن علِمَ توجُّهَه إليه، وأقدَمَ على تركه، فله حكمُ أمثاله من العصاة والفسّاق.
فصل
ومنهم من يرى أنَّ الأمر لا يسقُط عنه، ولكن إذا ورد عليه واردُ الفناءِ والجمعِ غيَّبَ عقلَه واصطلَمَه، فلم يشعُرْ بوقت الواجب ولا حضوره حتّى يفوتَه فيقضيَه. فهذا متى استدعى ذلك الفناءَ وطلَبَه فليس بمعذورٍ في اصطلامه، بل هو عاصٍ لله في استدعائه ما يُعرِّضه لإضاعة حقِّه، وهو مفرِّطٌ أمرُه إلى الله.
ومتى هجَم عليه بغير استدعاءٍ، وغُلِبَ عنه مع مدافعته له خشيةَ إضاعة الحقِّ١، فهذا معذورٌ، وليس بكاملٍ٢ في حاله. بل الكمالُ وراء ذلك، وهو
(١) ج: "إضاعته الحق".
(٢) هكذا أصلح في الأصل كما في ع. وفي ج: "كاملًا"، وقد سقط منها: "فهذا معذور و". وفي غيرهما: "من الكمال" كما كان في الأصل أيضًا قبل الإصلاح.