مدارج السالكين

بالأعمال تشريعًا. وذكرنا أنَّ اليقين الموت، وأنّه من المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أنّ الأوامر والنّواهي لا تسقط عن العبد ما دام في دار التّكليف، إلّا إذا زال عقله وصار مجنونًا.

فصل

ومنهم من يرى القيامَ بالأوامر واجبًا إذا لم تُفرِّق جمعيَّتَه، فإذا فرَّقَتْ جمعيَّتَه رأى الجمعيَّةَ أوجَبَ منها، فيزعم أنّه يترك واجبًا لما هو أوجَبُ منه وأهمُّ منه. وهذا أيضًا جهلٌ وضلالٌ.

وإن رأى أنَّ الأمرَ لم يتوجَّهْ إليه في حال الجمعيَّةِ فهو كافرٌ. وإن علِمَ توجُّهَه إليه، وأقدَمَ على تركه، فله حكمُ أمثاله من العصاة والفسّاق.

فصل

ومنهم من يرى أنَّ الأمر لا يسقُط عنه، ولكن إذا ورد عليه واردُ الفناءِ والجمعِ غيَّبَ عقلَه واصطلَمَه، فلم يشعُرْ بوقت الواجب ولا حضوره حتّى يفوتَه فيقضيَه. فهذا متى استدعى ذلك الفناءَ وطلَبَه فليس بمعذورٍ في اصطلامه، بل هو عاصٍ لله في استدعائه ما يُعرِّضه لإضاعة حقِّه، وهو مفرِّطٌ أمرُه إلى الله.

ومتى هجَم عليه بغير استدعاءٍ، وغُلِبَ عنه مع مدافعته له خشيةَ إضاعة الحقِّ١، فهذا معذورٌ، وليس بكاملٍ٢ في حاله. بل الكمالُ وراء ذلك، وهو

  1. (١) ج: "إضاعته الحق".
  2. (٢) هكذا أصلح في الأصل كما في ع. وفي ج: "كاملًا"، وقد سقط منها: "فهذا معذور و". وفي غيرهما: "من الكمال" كما كان في الأصل أيضًا قبل الإصلاح.
386

الانتقال عن وادي الجمع والفناء والخروجُ عنه إلى أودية الفرق الثّاني والبقاء، فالشّأن كلُّ الشّأن فيه. وهو الذي كان ينادي عليه شيخُ الطّائفة على الإطلاق الجنيدُ بن محمَّدٍ ﵀. ووقع بينه وبين أصحاب هذا الجمع والفناء ما وقع لأجله، فهجَرهم وحذَّر منهم، وقال: عليكم بالفرق الثّاني١. فإنَّ الفرقَ فرقانِ: الفرق الأوّل: هو النَّفسيُّ الطّبيعيُّ٢ المذموم، وليس الشّأنُ في الخروج منه إلى الجمع والفناء في توحيد الرُّبوبيّة والحقيقة الكونيَّة، بل الشّأنُ في شهود هذا الجمع واستصحابه في الفرق الثّاني، وهو الحقيقة الدِّينيَّة. فمن لم يتَّسِعْ لذلك فليترُكْ جمعَه وفناءَه تحت قدمه، ولينبذه وراءَ ظهره، مشتغلًا بالفرق الثّاني.

والكمالُ أيضًا وراء ذلك! وهو شهودُ الجمع في الفرق، والكثرةِ في الوحدة، وتحكيمُ الحقيقة الدِّينيّة على الحقيقة الكونيّة. فهذا حالُ العارفين الكُمَّل:

يَسقِي ويشرَبُ لا تُلهيه سكرتُهعن النّديم ولا يلهو عن الكأسِ٣

"إنِّي لأسمع بكاءَ الصّبيِّ وأنا في الصّلاة، فأتجوَّز فيها كراهيةَ أن أشُقَّ

  1. (١) انظر: "الرد على الشاذلي" (ص ١٢٠)، و"الرد على البكري" (ص ٤١٥ - ٤١٦، ٤٢٦)، و"منهاج السنة" (٥/ ٣٣٩، ٣٦٩)، و"جامع الرسائل" (٢/ ١٢٤) وغيرها من كتب شيخ الإسلام، و"طريق الهجرتين" للمؤلف (٢/ ٧٣٥).
  2. (٢) ع: "الطبعي".
  3. (٣) البيت مع آخر ليحيى بن نصر بن عبد الرزاق بن عبد القادر الجيلاني. انظر: "مرآة الزمان" لسبط ابن الجوزي (٢١/ ١١٢).
387

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي