الانتقال عن وادي الجمع والفناء والخروجُ عنه إلى أودية الفرق الثّاني والبقاء، فالشّأن كلُّ الشّأن فيه. وهو الذي كان ينادي عليه شيخُ الطّائفة على الإطلاق الجنيدُ بن محمَّدٍ ﵀. ووقع بينه وبين أصحاب هذا الجمع والفناء ما وقع لأجله، فهجَرهم وحذَّر منهم، وقال: عليكم بالفرق الثّاني١. فإنَّ الفرقَ فرقانِ: الفرق الأوّل: هو النَّفسيُّ الطّبيعيُّ٢ المذموم، وليس الشّأنُ في الخروج منه إلى الجمع والفناء في توحيد الرُّبوبيّة والحقيقة الكونيَّة، بل الشّأنُ في شهود هذا الجمع واستصحابه في الفرق الثّاني، وهو الحقيقة الدِّينيَّة. فمن لم يتَّسِعْ لذلك فليترُكْ جمعَه وفناءَه تحت قدمه، ولينبذه وراءَ ظهره، مشتغلًا بالفرق الثّاني.
والكمالُ أيضًا وراء ذلك! وهو شهودُ الجمع في الفرق، والكثرةِ في الوحدة، وتحكيمُ الحقيقة الدِّينيّة على الحقيقة الكونيّة. فهذا حالُ العارفين الكُمَّل:
يَسقِي ويشرَبُ لا تُلهيه سكرتُهعن النّديم ولا يلهو عن الكأسِ٣
"إنِّي لأسمع بكاءَ الصّبيِّ وأنا في الصّلاة، فأتجوَّز فيها كراهيةَ أن أشُقَّ
(١) انظر: "الرد على الشاذلي" (ص ١٢٠)، و"الرد على البكري" (ص ٤١٥ - ٤١٦، ٤٢٦)، و"منهاج السنة" (٥/ ٣٣٩، ٣٦٩)، و"جامع الرسائل" (٢/ ١٢٤) وغيرها من كتب شيخ الإسلام، و"طريق الهجرتين" للمؤلف (٢/ ٧٣٥).
(٢) ع: "الطبعي".
(٣) البيت مع آخر ليحيى بن نصر بن عبد الرزاق بن عبد القادر الجيلاني. انظر: "مرآة الزمان" لسبط ابن الجوزي (٢١/ ١١٢).
على أمِّه"١. وكان في صلاته واشتغاله بالله وإقباله عليه، وهو يشعر بعائشة ﵂ إذا استفتحت الباب، فيمشي خطواتٍ يفتَحُ لها، ثمَّ يرجع إلى مصلَّاه٢. وذكر في صلاته تِبْرًا كان عنده، فصلّى، ثمّ قام مسرعًا فقَسَمه، وعاد إلى مجلسه٣. فلم تشغَلْه جمعيَّتُه العظمى ــ التي لا يُدرِكُ لها مَن بعدَه رائحةً ــ عن هذه الجزئيّات، صلواتُ الله وسلامُه عليه.
فصل
ومنهم من يتمكَّن الإيمانُ والعلمُ من قلبه٤، فإذا جاء الأمر قام إليه، وبادر بجمعيَّته. فإن صَحِبَتْه وإلَّا طرَحَها، وبادر إلى الأمر، وعلِمَ أنّه لا يسعُه غيرُ ذلك، وأنَّ الجمعيّةَ فضلٌ والأمرَ فرضٌ، ومَن ضيَّع الفروضَ للفضول حِيلَ بينه وبين الوصول. لكن إذا جاءت المندوباتُ ــ التي هي٥ محلُّ
(١) أخرجه البخاري (٧٠٧) من حديث أبي قتادة ﵁.
(٢) أخرجه أحمد (٢٤٠٢٧، ٢٥٩٧٢) وأبو داود (٩٢٢) والترمذي (٦٠٧) والنسائي في "الكبرى" (٥٢٨، ١١٣٠) وفي "المجتبى" (١٢٠٦) وابن حبان (٢٣٥٥) والبيهقي (٢/ ٢٦٥) وغيرهم من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂، وفيه بُرْد بن سِنان، مختلف فيه وقد ضعَّفه علي ابن المديني وأبو حاتم في قول. وقد تفرد بهذا الحديث، ولم يتابَع إلا من طرق واهية. قال أبو حاتم لما سأله ابنه عن هذا الحديث كما في "العلل" (٤٦٧): "لم يروِ هذا الحديث أحد عن النبي ﷺ غير برد، وهو حديث منكر". وقال ابن رجب في "فتح الباري" (٦/ ٣٨٢ - دار ابن الجوزي): "واستنكره أبو حاتم والجوزجاني لتفرُّدِ بُردٍ به".
(٣) أخرجه البخاري (٨٥١) من حديث عقبة بن الحارث ﵁.
(٤) ش: "في قلبه".
(٥) "التي هي" تحرَّف في الأصل وغيره إلى "أكثر من". وقد أُصلح في ل كما أثبت من ع، واقترحه بعضهم في هامش ش أيضًا.